تشكيل

أنصتت هادئة لطينتها الطيبة فأبدعت وتميزت بهدوء

مؤسسة إرثنا للتراث والثقافة

الفنانة التشكيلية هادية قانه.
الفنانة التشكيلية هادية قانه. الصورة: الشبكة.

عرف الليبيون صناعة الخزف ودخل بيوتهم قديماً، لم يكن فناً في البداية، بل مهنة أحترفها صناع متفرغون، لتلبي حاجات المعيشة، وما عثر عليه من فخار على شكل جرار بجبال اكاكوس في الجنوب الليبي يزيد عمره عن عشرة آلاف سنة، يؤكد قِدم هذه الصناعة وتجذرها في ليبيا، لتتواصل هذه الصناعة وفنونها وتنمو عبر العصور، وتعتبر مدينة غريان الواقعة على سفوح جبل نفوسه من أهم أماكن صناعة الخزف في ليبيا الآن.

صار الخزف المادة الأهم في تزيين البيوت الليبية منذ تدفق النازحين القادمين من الأندلس الى شمال افريقيا واستقرار الكثير منهم في المدن الليبية مثل طرابلس وبنغازي ودرنة، وظل الاستعمال اليومي والانتاج الفني متلازمين في انتاج الخزف في ليبيا.

تسعينات القرن الماضي وبدايات القرن الجديد شهدت اهتماماً ليبياً لافتاً بفن الخزف، واللافت أكثر أن هذا الاهتمام كان من العناصر النسائية، حيث قدمت خزافات ليبيات تجارب فنية مهمة في هذا المجال كان أبرزها أعمال فنانة تشكيليّة ليبية تميزت بحس مرهف جسدت من خلاله معنى الإبداع الحقيقيّ.

امرأة ليبية اسمها يدل على شخصيتها، لو نظرت اليها من الوهلة الأولى وجدتها فرنسية المظهر، ولكن لو اقتربت منها وتحدثت اليها عرفت بأنها ليبية الجوهر متمسكة بطينتها الاولى، يستهويها النحت واللعب بين الحقيقة والخيال، وتتحدث بإبداع فني بهدوء، تنحت بأناملها أعمالها كما تصورها لها ذاكرتها الخيالية، تعيد انتاج المشاهد التي تخزنها الى منحوتات صغيرة تختزل المشهد، تحب الاعمال الانسانية وتنظر إلى أعمالها بطريقة فلسفية، تحرص على ألا تخرج إبداعاتها إلى النور إلا وهي واثقة من أنها ستداعب خيال المتفرج ووجدانه، أعمالها تمزج بين الفنون المحلية والعالمية وتستحوذ المرأة على الجانب الأكبر منها، اختارت الخزف وتعجبها الاعمال اليدوية المصنوعة من الخشب والحديد والزجاج والمواد التي تتشكل ولها اصول طبيعية أي علاقة مع الطبيعة، قدمت اعمال رائعة متنوعة في ليبيا منذ ان بدئت في العام 1995م، طريقة التعبير الذي استعملته في ليبيا يعتبر أسلوب غريب، لأنها استعملت طرق حديثة تعرف بفن الترتيب Installation غير معروف في ليبيا، طريقة العرض تختلف عن الاسلوب التقليدي في ليبيا.

تأثير المحيط عليها وعلى عملها الفني كبير، لأنها بطبيعتها تحب أن تتأمل محيطها، خاصة عندما تسافر، تتأمل أكثر وتدخل في مقارنة بين محيطها الأصلي ومحيط السفر.

ومنذ عام 2006م انتقلت من خلال أعمالها إلى النقد الاجتماعي، وتؤكد في هذا الصدد بأنه ليس من الضروري أن تغير أعمالها من المجتمع، إنما تُعّد أعمالها نوعاً من الدق على ناقوس الخطر، بأعمالها تسلط الضوء على نقاط تراها مهمة وتحتاج لإعادة التفكير.

الخزافة الليبية هادية قانا إحدى أبرز الفنانات التشكيليات في ليبيا التي نحتت فنها في أرجاء العالم، ولدت في عروس البحر طرابلس في العام 1973م لأب ليبي وأم فرنسية، هي ابنة الفنان التشكيلي الليبي الراحل على قانة سليل مدينة نالوت الليبية وأحد أهم رواد الفن التشكيلي من الجيل الاول الاكاديمي في ليبيا، ترعرعت ونشأت في ازقة وحواري مدينة طرابلس.

درست صناعة الخزف والزجاج في قسم الخزف بكلية الفنون والإعلام في جامعة طرابلس وتخرجت منها في الموسم الدراسي 1994م – 1995م وواصلت دراستها الأكاديمية لتنال في العام 2004م الماجستير في فنون السيراميك والزجاج من جامعة كارديف UWIC البريطانية بويلز. ثم توسعت أكثر في فن التشكيل بالمعادن والزجاج فذهبت إلى فرنسا حيث تعلمت الكثير واكتسبت خبرات كثيرة مختلفة.

درّست هادية مادة الفنون والخزف للطلاب من مختلف الصفوف حتى سنة 2009م، قبل أن تنتقل للعمل على مشاريع التخطيط المدني في ليبيا.

لا شك في أن الفنان يتأثر بكل ما يحيط به، والإبداع الحقيقي هو أن يأتي بالجديد لا التقليد، وإن كنت أعتقد أن التقليد هو البداية كي يتقن الفنان النسب والأبعاد وغيرها، لكن إبداعك يخرج مع ما أتيت به من جديد إلى الفن، تقول هادية.

أما عن تأثيرها هي على محيطها أضافت قائلة: (للتأثير على المحيط نحتاج إلى عمل جماعي وشيء مستدام أكثر من معرض كل سنة أو سنتين، أعمالي مجرد تساؤلات استفزازية وإثارة وجهات نظر بلطف).

وفيما يخص تأثيرها على المحيط والعكس، تذكر هادية على سبيل المثال أنها قدمت في عام 2006م عملاً فنياً بعنوان زلط طرابلس، من خلال هذا العمل قدمت قطعاً خزفية شبيهة بالزلط الكبير الحجم، منظم في شكل دوائر في منتصف الغرفة، وكان القصد منها التأمل أو التفكير، وكانت على أسطح هذه الحجارة بعض الكتابات والنقوش المعمارية، وبعض الصور الفوتوغرافية الباهتة. شجعت هادية الوافدين بأن يحملوا الأحجار وأضافت قائلة: (الناس لا تحمل الحجارة، من المفروض أن يقوموا بذلك، فالحجارة ستخبرهم بالعديد من القصص).

وتردف هادية قائلة بأنها مثلت من خلال قطعها الغامضة بعض مشاهد الساحة الليبية أثناء عهد القذافي، وعلى وجه الخصوص الفساد الإداري والمالي في جهاز المدينة القديمة، فالمعرض كان في أحد مباني جهاز المدينة القديمة وهو دار حسن الفقيه حسن.

تأثير البيئة الليبية ظهر واضحاً في أعمالها الأولى ونتج منه معرضها الشخصي الأول بعنوان (المعرض الأول للفخار) حيث بدا فن التشكيل لديها منطلقاً من ملامح البيئة الليبية، ثم انتقلت أعمالها متأثرة بالمحلية والعالمية في معرضها الثاني الذي كان بعنوان (أبواب مفتوحة) في المركز الوطني للفخار في فرنسا، وأكثر أعمالها تعبيراً عن المحلية كان معرض (بحري صحراوي) في دار (دي فيلا) في طرابلس عام 1998م.

تؤكد هاديا بأن لكل بلد طينه وإن الطين الليبي هو الأقرب لأصابعها وأعمالها. وتضيف: الفن في حد ذاته مدرسة كبيرة مفعمة بالاتجاهات والأساليب، والفنان لا يجب أن يُغلق على عقله وإحساسه باباً فولاذياً اسمه مدرسة، فمشاعره وفكرته تخرج في عمل فني يعبر عن رسالة ما، والإبداع يكمن في الوصول برسالتك الفنية إلى المتلقي، أعني أن تثير مشاعره وإحساسه. الفن رسالة، المهم فيها أداة إيصالها، ويشترط أن تكون الأخيرة قادرة على توصيل الفكرة إلى الآخرين، فالرسم والنحت والفيديو وغيرها من الفنون وسائل اتصال بين الفنان والآخرين. ثمة نزاع دائم بين ظاهر الأمور وباطنها، هكذا الأشخاص دائماً يبدون أشياء تكون غالباً عكس ما في داخلهم أو ربما يجملون أشياء تظهرهم عكس ما هم عليه، لذا لديّ فلسفة خاصة في اختيار أسماء معارضي وأعمالي وهدفي منها إثارة النزاع داخل المشاهد لتكون عناصر اللوحة من صور أو كتابات هي ذلك الشيء الذي يحرك ذكرياته ويدخله إلى عالم الخيال. مفرداتي غالبيتها أشكال خيالية تمزج بين أشكال نباتية وحيوانية وآدمية وطيور، وهذه المفردات قد تمتزج أجزاء منها مع الأخرى لتخرج أعمالاً فنية غريبة لها ملامح من كل شيء وتعطي معاني لأشياء مختلفة أو متعاكسة تداعب دائماً خيال المتلقي.

حريصة على استمرار عرض أعمالها في غاليريهات ليبيا وهدفها الأول هو الانتشار في العالمين العربي والغربي، لذا هي تسعى دائماً إلى اختيار أماكن عرض شهيرة.

قامت هادية بعدة نشاطات فنية في دول مختلفة منها: مشاركات في المعارض الداخلية لكلية الفنون والإعلام بطرابلس، معرض شخصي “المعرض الأول للفخار” بنالوت 1996م، أبواب مفتوحة بالمركز الوطني للفخار – سان أمان Saint Amand بفرنسا 1997م، معرض شخصي “بحري صحراوي” بدار “دي فيلا“ – طرابلس، 1998م، معرض “ثلاثة زوايا” بدار الفنون – طرابلس 1999م، أبواب مفتوحة للمبدعين بالمركز الثقافي بمنتيفلييه Montivilliers فرنسا 1999م، معرض “تأثيث الفضاء” بدار عرض ألف باء – طرابلس 1999م، معرض “إبداعات نسائية” بدار الفنون – طرابلس 2000م، أبواب مفتوحة للمبدعين بالمركز الثقافي بمنتيفلييه Montivilliers – فرنسا 2000م، معرض شخصي “سفر الطبيعة” بالسفارة الليبية بمالطا 2002م، معرض شخصي “هجان” بحديقة منزل علي قانه – طرابلس 2003م، معرض جماعي بكلية كارديف 2004م، معرض “رمال ماء نار هواء” بدار حسن الفقيه حسن – طرابلس 2006م.

مُنحت هادية في عام 2010م إقامة فنية في أمستردام بهولندا، وشاركت أيضاً في إعادة تصميم الجناح الليبي في إكسبو شانغهاي الصينية في نفس العام، كما تم عرض أعمالها في كل من مالطا وفرنسا وهولندا والمملكة المتحدة.

خلال عام 2011م دونت هادية بعض الكتابات في مدونة تحمل اسم 40 Years of Running in the Same Place / Libyan Diary والتي تعني سنوات الركض في ذات المكان، ومن خلالها قامت هادية باستطراد كافة أفكارها منذ بداية انتفاضة 17 فبراير إلى الوقت الحاضر، حيث قدمت فيها كل الأحداث الدرامية لهذه الحقبة الزمنية، خصَّصت بقية مساحة هذه المدونة بمجهوداتها في إثراء الثقافة والفن في ليبيا وعلى التوعية بالبيئة ووضع المرأة في مرحلة ما بعد الصراع داخل ليبيا.

في عام 2012م قامت هادية بعمل فني أطلقت عليه اسم الزردة، والتي تعني بالليبية الرحلة، وهو عبارة عن تركيب أرضي من السيراميك ومسحوق أنجزته في الأشهر الأولى من انتفاضة 17 فبراير، وتمّ عرض الزردة في الجناح الليبي بالمركز العربي البريطاني للفنون في لندن، والذي قامت بتنظيمه مؤسسة نون للفنون، العمل عبارة عن بساط مرسوم بالغبار، فيما يمثل شكل البساط تلك المقولة في أحجام مختلفة، ويحيط به بقايا الزردة من زجاجات المشروب الفارغة إلى علب البيبسي ومياه مصنوعة من الخزف ومطبوع عليها صور بعض الشباب اللذين ماتوا أثناء انتفاضة 17 فبراير. وتضيف هادية في هذا الصدد، (الفكرة هي أنه عندما يقوم ولو شخص واحد بالدعس على البساط فأنه يفسده، وعندما يقوم بذلك شخص ما فإن الباقين سيفعلون مثله).

وشاركت بعمل (الزردة) في فعاليات مهرجان (من أجل ليبيا) الذي انطلقت فعالياته يوم 11 مارس 2017م في تونس، نظمته سفارة فرنسا في ليبيا وفي تونس، المعهد الفرنسي بتونس، وبالتعاون مع شبكة ليبيا المحلية والغرفة التجارية الليبية ومعهد البحوث المغاربية المعاصرة والبعثة الأثرية الفرنسية ومتحف اللوفر، ومصلحة التنمية الاقتصادية، للاحتفاء بالفن وإبداع الليبيين وإلقاء الضوء على أعمال المواهب والفنانين الليبيين والتعريف بالتراث والمطبخ الليبيين، وشارك في المهرجان مجموعة كبيرة من المواهب والفنانين الليبيين، وعرضت أيضًا (سكارب بيبر) وهو شريط فيديو تم إعداده خلال الفترة ما بين العام 2013م – 2014م.

بالاشتراك مع مصمم للأحذية في المغرب قامت هادية بتصميم حذاء لاستعماله في عمل تمثيلي قصير. وتتجسّد معظم أعمال هادية في الأعمال التنصيبية أو ما يعرف بالأعمال التركيبية، وهي إحدى تيارات الفن المعاصر التي تستعملها هادية كأداة للتساؤل والحوار مع المشاهد، وترسل من خلال أعمالها رسائل تخاطب بها عقلية المشاهد وتجذبه بطرق غامضة وذلك لغرض الاطلاع والتحليل، كما قامت أيضاً ببعض أعمال النحت وتصميم بعض الأثاث من مواد طبيعية بسيطة.

يلاحظ الزائر الى أعمال هادية انها تميل الى المشاهد الليبية الاصيلة ، فهي تشدها القباب والنتوءات الصخرية ، وتتحول مشاهد المباني القديمة عندها الى اعمال منحوتة تقف بين الحقيقة والخيال امام المشاهد، انها تحفز ذاكرة المتلقي وتستعرض امامه ظلال المشاهد الحقيقية، أعمالها تتكون من شقين، شق فني وشق تقني، ويعتبر الاثنان مرتبطين ببعضهما. يتعلق الشق الفني بكيفية التعبير مثل التساؤل أو الشعور، أما الشق التقني فهو أكثر اتصالاً بالمواد وطرق العمل، وتقول هادية بأن الفنان لديه مولّد داخلي يجعله دائمًا يتساءل وفي حالة قلق مستمر، وفي الأغلب ينتج أعمالاً لمحاولة إيجاد إجابات للأسئلة التي في داخله، ولهذا فإن المسيرات الفنية تتطور عبر السنوات.

وتذكر هادية حين تم استضافتها في معرض أشكال وألوان في بيروت، كانت الدروس مرتكزة على الفيديو والأفلام ولكن لم يتوفر video editing أي المونتاج فقررت إضافة جزئية بمساعدة الأصدقاء والأساتذة وكانت تلك هي المرة الأولى التي تقوم فيها بإعداد فيديو قصير في عمل فني.

تضيف هادية بأن الأزدهار الفني بطيء شأنه شأن أي فن في الشرق، ولعل السبب طغيان ثقافة الاستهلاك في مجتمعاتنا على ثقافة اقتناء الأعمال الفنية، ونحن كفنانين نعوّض ذلك بالاتجاه إلى الأسواق الأوروبية للترويج لأنفسنا وأعمالنا.. أنا جزء من كل امرأة في هذا العالم، ولا أعتقد أن عملاً ما يمر من دون أن يحمل جانباً يُعبر عن المرأة، وهذا ما ظهر واضحاً في معرضي بعنوان (إبداعات نسائية) الذي أقيم في دار الفنون في طرابلس عام 2000م، وظهرت فيه المرأة كأنها عالمي كله وعبّرت عن آلامها وآمالها.

تواصل هادية المشروع الفني لوالدها الرسام والفنان التشكيلي الراحل علي قانا، حيث أنشأت مؤسسة علي قانا للفنون والثقافة في عام 2011م وتعمل حالياً على إنشاء “متحف علي قانا، تيمّناً باسم والدها الفنان، وتسعى هادية حالياً إلى افتتاح مركز لها تحت اسم مركز علي قانا للفنون والحرف في ليبيا، والذي سيضم مساحة لاستديوهات الحرفيين والفنانين للعمل والتعليم وللبحث عن الحرية.

سئلت لماذا لا تطلبي مساعدات من خارج ليبيا لإنجاز مشروعها الثقافي الذي يحمل أسم والدها، أجابت لا ينقصنا شيء في ليبيا، لدينا كل شيء.. تقول: ليبيا هي صورة عما يحدث للفن التشكيلي في البلدان العربية عموماً، الذي لا يلقى الاهتمام الكافي لكن ثمة مؤشرات إيجابية تعد بنهضة فنية قريبة.

____________________________________________________________

* نقلا عن (مؤسسة إرثنا للتراث والثقافة)، الأحد 28 يونيو 2020

مقالات ذات علاقة

أعمال الفنان أحمد الغماري في محاكاة الطابعات الرقمية

عدنان بشير معيتيق

فرح مؤجل في لوحات رمضان نصر أبوراس

عدنان بشير معيتيق

بعيداً عن كل جائحة تشكيلية

عدنان بشير معيتيق

اترك تعليق