من أعمال التشكيلي محمد بن لامين
قصة

أنا و أشياءٌ أخرى لا تهتمُ بي

.

أستيقظُ متململاً بين شعورين متناقضيْن ، ” كم مرة عليْ أن أفهم بأنّ القيلولة هي أسوء وقت يُمكن أن ينام فيه المرء ؟ ” سألت نفسي محاولاً أن أحرّك جفنايْ الذين يأبيانِ ذلك ، ” كم مرة عليْ أن أفهم بأنّ النوم على الكنبة هو أمر مزعج ؟ ” سألت نفسي مرةً أخرى عابثاً بيديْ الطاولة مُحاولاً أن أستجدي المنبّه على أن يصمت ، أفكر في كيفية تمكنني من أن أصحو بمزاجٍ طيب دون الحاجة لصنع قهوة … ” كوب من القهوة سيصلح الأمور ” أقترح على نفسي ” الحل البديل ” ، أعترفُ بأنّ حالةً من الكسلِ الخبيث تعتريني … تمضي الدقيقة و الاثنان و الثلاثة و أنا لا أفكر في شيءْ سوى أي من الشعورين يمكنني أن أنهض به ، سيكون أمراً جميلاً أن أستيقظ مبتسماً و لكن ليس هنالك ما يبعث البسمة إلا رؤية وجهِ بنت أختي الصغيرة تستجديني أن ألتقطها و ” أطيّرها ” في الهواء … و ” الهوى ” طائر يغرّد لك أغنيةً أنتَ اخترعتها : الشمس تتوضأ من نور وجهِك … و القمر … تتذكر أنّ القمر جسماً مُعتماً فتحاول أن تجِد أي شيء آخر يمكن أن ترقع به أغنيتِك المثقوبة ، تقول في سخرية باكية : و السلام !.

بعد محاولات مني فاشلة في النهوض من على الكنبة ، أسمعُ صوت الباب الموارِب يأذن بازدياد الشرّخ ، أرى أختي الصغرى آمرةً : نبيك ترفعني لحوش صاحبتي ، أكشّر في وجهها قائلاً : اقلبي وجهك ، مش وقتك . يحمّر وجهها غضباً و تصفعُ الباب لينهي مواربته أيّاي ، أجلس مستنداً برأسِي على يدي اللتيْن يتأتّني منهما شعورٌ بأنِّي كُنت تحت عمليةِ تعذيبٍ بالكهرباء ، أتذكر حلماً غريباً كُنت أرى فيه نفسي أمشي حافياً في الطريق لأجِد نفسي بجانِبها تصفعنِي هيْ ” كفاً ” لأنِّي قلتُ لها ” أحبك ” بصوت عالٍ فتكتشفُ هي بعد ذلك أنّ كل من حولنا ليس لهم آذان ، فترتاحُ و من ثمّ تبتسمُ في و تقول لي ” أنا أيضاً ” … لا تسمحُ لي كرامتِي بأن ابتسم في وجهها فأرد لها الصفعة صفعتيْن ثم ابتسم بخبث قائلاً ” و أنا كذلك ” …فتقوم هي بصفعي أربع منهيةً إيّاها بـ ” و أنا كذلك ” ، ندور في دوّامة من الصفع المضاعف و الأنا كذلك حتّى استيقظ لأجد نفسي مصفوعاً بشعورين متناقضين .

أصفعُ نفسي محاولاً أن ألملم شتات نفسي ، أقوم … أنعطف يميناً فيساراً ، أتقدم عشر خطوات للأمام و أنعطفُ يساراً أفتحُ باب الحمّام ، أغيب تحت صنبور المياه غامراً بدوره فروة رأسي ، أظلّ على هذه الحال دقيقة ربما أتمنى فيها أن لو كان الصنبور غيمةً تمطرُ عليْ بحنانِها قطرات شحيحة تبعثُ على الكآبة اللذيذة ، الكآبة تكون لذيذة عندما تعتاد عليها … كُنت صغيراً ، كُنت مزاجياً … أبتسمُ ساعةً لأكتئب ساعات ، أتذكر حادثة في المدرسة الأعدادية عندما كُنت ألعبُ الكرة مع زملائي و فجأة عندما وصلتني الكرة شُلّت حركتِي … تدحرجت الكرة حتّى وقفت ما بين رجلايْ ، اشتبكت عينايْ بالسماء و الأولاد يصيحون فيْ … عدتُ لوعيْ ، و عندما عُدت وجدتني خارجاً من الملعب دون أن أعتذر عن أي شيء و أتوجه إلى إحدى الشُجيرات أجلسُ القرفصاء عندها … تقترب نحوي فتاة كانت تضع طاقماً على أسنانها و رغم ذلك كانت جميلةً بطريقتها الخاصة ، أتذكر أنّها كانت دائما ما تراوغني بنظراتٍ لا أستسيغها ، كُنت وقتها لا أحب جنس حوّاء و لا أقتدرُ على مخاطبته … قالت لي بابتسامة ” خيرك شن فيه ” ، نظرتُ لها و الكآبة تتلألأ ما بين عينيْ ثم عُدت أغطس وجهي ما بين يديْ أخفيهِ كالوردة الخجولة أو كخفاش يخشى الضوء ، أتذكرُ أنِّي لازلتُ مثقلاً بالمياه الجارية من فوق رأسي … أرفعُ رأسي قليلاً و أسمح للماء أن تنساب داخل جسدِي غير آبِه بأي إتجاه تنسدل .

” الله أكبر ” ، صوتُ آذانِ العصر … أكسرُ حاجز الكسل ، و في لحظاتٍ قليلة أجدُ نفسي أمام سجّادة باكياً في الصلاة ، ” لا أبكي في الصلاة إلا إذا كُنت قد يئست من الحياة ” أقول لنفسِي بعد أن أنهِي صلاتِي … ” يبدو أنني يئست فعلاً ! ” ، يهاتفني أحدُ الأصدقاء … أحاول أن أبتعد عن الهاتف النّقال و كأنّ الأمر لا يخصنِي ، يعيدُ الهاتف رنينه مرة و اثنتيْن و …… ثلاثة ! ، و أغيبُ أنا في حالة من الانزعاج ، و أتساءل في نفسي ” لماذا اشتريتُ هاتفاً إذا كانت أغلب المكالمات فائتة ! ” ، أسحبُ نفسِي مِن الدّار ، أعدُ لنفسي فنجاناً مِن القهوة ، أتذكر أنني لستُ جيداً في صنعها و لكن بما أنّي قد رفضتُ طلب أختي فعليْ أن أتحمّل ما أتى به لسانِي ، أقذفُ بمسبات في وجه البُكرج أو لأقول في ” مقبض ” البُكرج ، أشتمُ الغاز الغبيْ و القهوة الفائرة و الحياة البذيئة التي تجعلُ من إنسان معيّن يحبُ فتاةً لا يستطيع أن يحادثها لأنه يخجل من ذلك .

عندما جلستُ لأقرأ أحد الكُتب الموضوعة على الرف ، تذكرتُ أنّي كرهتُ القراءة في تلك العشية فرميتُ بالكتاب على الأرض و استرسلت في شرب القهوة و في التفكير الحاد في كل ما هو سيء ، فكرتُ في أن استلّ موسى من المطبخ و أقطع حبل الوريد … استغفرتُ الله ، فكرت في أن أصدح بصوتٍ عالٍ : يا كلاب ، فتذكرتُ بأنّ ذلك سيعتبر خروجاً عن الأداب العامة ، اكتفيت بأن أبربر بأشياء لا أفقهها ، تمنيتُ وقتها أن أكون مدخناً شرهاً … لربما أوقفتُ جهازي التنفسيْ و الرحمة تجوز على الحيْ و الميت و الميْت بالاختناق . و في لحظاتٍ أخرى وجدتُنِي أجفف الطاولة من القهوة التي لم أدرِ كيف امتدت يدي خطأً إلى الفنجان مفرغةً ما في جوفه صانعاً بركةً قميئة من القهوة فكرت بأن أتخلص منها على الطريقة الكلبية غير آبهٍ بالأعراف و التقاليد البشرية ، شتمتُ القهوة و الذي زرع القهوة و مصدرها و المصدّرةِ إليه و استرسلت في الشتائم حتى وجدتني أشتمُ نفسي فرحاً ! .

عندما خرجتُ إلى الطريق ، وجدتني أغيب وسط الحارات أتقابل مع جنسين من البشر فقط لا غير : عجزة و أطفال ، أسخر من من قال بأنّ الشباب هم النسبة الأكبر في هذه البلاد ، أرى طفلةً صغيرة في طريقها مِن المدرسة أحاول أن أتلهى بمضايقتها فلطالما أحببت مضايقة الصغار … كشّرت في وجهِي بطريقة عنيفة ، ارتجفت أوصالي لسبب لا أعرفه . لم أيأس من تجهمها و استرسلتُ في مضايقتها بين الحين و الأخر و هي لا تريني إلا وجهها العبوس الذي يوجه لي رسائل عداء . في زقاقٍ أخر أجدُ طفلاً صغيراً لم يتعدى الخمسة أعوم مع أخته الصغرى … ابتسمتُ في وجهه ، ردّ لي الابتسامة بخيرٍ منها قلتُ له ” شن رايك نخنبك ؟ ” ضحك مني و من سؤالي و أجاب ” لا ” .. قلت له ” باهي شن رايك نخنب أختك ؟ ” … ابتسم و قال ” باهي ” . و عندما أدرتُ وجهِي للجهة الأخرى وجدتُ والدته تحدجني بنظرات غريبة من البواب الموارب ، شاكستُ شعر الفتى … و أكملتُ طريقي سائلاً خيالاً قد صنعته من وحي أفكاري : ” شن رايك نخنبك ؟ ” .

مقالات ذات علاقة

كبوس جحا

سالم أبوظهير

تـمر الدرابـيك

محمد الأصفر

قبل مَغيْب الشمس

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق