قصة

أنا وأبي (4)

من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
من أعمال التشكيلي صلاح غيث.


كالعادة، غادرت منذ الصباح وراء القطيع، في عمق الوادي، وبالقرب من حافة الجبل الشرقية، وبعد أن اطمأنت روحي على هدوء القطيع، الذي انتشر ينهل الحشائش، التي لم تجف كلياً بعد، رحت أبحث عن مكان أستريح فيه، كانت هناك مغارة عميقة، تحت جذع سدرة وارفة، يتدلى منها نبق قاني اللون كبير. تتخذها الذئاب والوحوش الأخرى ملجأً لها؛ يقيها حر الصيف اللافح، وبرد الشتاء القارص.

كان يبدو أنها مهجورة؛ ربما الآن الرجال شرعوا منذ فترة، في وضع خطة للقضاء على الذئاب، التي تكرر تسللها ليالا إلى زرائب الخراف، والجديان، في غارات منظمة، لا تخلو من المكر، والدهاء، فلاحظ القوم ان عدد الخراف والجديان في تقلص مستمر، وشنوا حرباً ضد الذئاب، قتلوا منها الكثير بالبنادق، وشراك الحديد، وكانوا كلما قتلوا ذئباً، يعلقون جلده على أعمدة الزرائب؛ لإخافة باقي الذئاب، التي تفر عائدة إلى أوكارها، فور رؤيتها لجلد بني جلدته، دلفت إلى جوف المغارة، أغراني ترابها الأملس، ونسيمها المعتدل، استلقيت على ظهري، أمسكت بلوحي بكلتا يدي، ورحت أرتل سورة العلق، ولست أدري كيف سرقني النوم؟! غبت في سبات عمي.

غادرت الشمس إلى بيتها، بدأ الظالم يخيم على “النجع”، ليرخي الليل سدوله، رويداً.. رويداً، عاد القطيع لمربطه. وما أن أدى أبي والرجال صالة المغرب بالمسجد الصغير، حتى لاحظ غيابي.

إذ كنت دائمًا آتي إليه مهرولا، وهو ما يزال يسبح لله في المسجد، وأرتكز أمامه، فيمسح على جبيني بيده اليمنى، مردداً الأدعية، والتعاويذ، وهو يقول: اللهم احفظه من شر نفسه، ومن حسد الآخرين.

احتشد رجال القبيلة، وفرسانها، في كويكبات صغيرة، على الخيل، والأمهار، يعدون العدة، ويحزمون أمتعتهم، وزادهم للبحث عني.

امتطى والدي ظهر فرسه الشهباء، وقف وسط حشد الرجال، الذين تجمعوا، في حالة استنفار قصوى. وصاح فيهم:

– ابحثوا عنه بكل روية، في كل مكان. تحت الأشجار، وفي المنعطفات، الوعرة، وبين الأحراش، وفي كل لجة من لجج الجبل، وفي عمق الوادي، والسهل، اللذين يفصلان الخيم عن الربوة، ابحثوا عنه حتى فوق الأشجار، أشعلوا النيران، إياكم أن تعودوا خاليي الوفاض..

في اليوم الثاني استيقظت من سباتي، وعدت إلى الديار، كان الرجال في حركة غير عادية، والنساء يبكين، وينتحبن.. أصيب البعض بالذهول، عندما اكتشفوا أنني لم أصب بأذى.. إذ كان اليأس تسرب إليهم، بعدما ملوا، وكلوا، البحث عني.. اعتقادا منهم أنني أرقد الآن، في أحشاء ذئب مفترس؛ أنهكه الجوع فسد رمقه بلحمي الطري؛ لم استحال عليه السطو ليال، على القطيع.. فقل إن يبيت أحد بالوادي، ويعود دون أن تطاله تهديدات وتحرشات تلك الوحوش الضارية.. هرولت أمي لملاقاتي، غير مصدقة عينيها، راحت تتحسسني، واضعة يديها على كل صدغي، مرددة:

– هل أنت بخير يا فلذة كبدي؟ أين قضيت ليلة البارحة؟ هل تعشيت؟ هل هاجمتك الوحوش؟ انزع قميصك، ودعني أرى جسدك.

– أنا بخير يا أمي..

– إن كنت لم تصب بأذى، انزع قميصك.

– حاولت منعها إذ كنت أخجل من كشف عورتي أمام النساء، اللائي التففن حولنا حتى كتمن أنفاسي.

كدت أختنق من بخورهن، الذي مأل المكان، مستولياً على الأكسجين.. شعرت برغبة في التنفس، مررت أمي يديها على كامل جسدي، بعد أن جعلت من طرف ردائها، ستاراً بيننا والنساء.. وهي ٍتردد في همس خجول، خنقته رغبة جامحة في البكاء، بصوت عال “الله يلعن القطيع” إن شاء الله تأتي الذئاب، على ما تبقى منه..

ارتديت قميصي المزركش، الذي جلبه لي والدي من إحدى رحلاته الموسمية، إلى المدينة.. جريت باتجاه أبي الذي استقبلني، والرجال والفرح يغمرهم، بعودتي دون أذى.. بدأت على محياه أبي البهجة، وهو يدس عميقاً، أصابع يده اليمنى، في شعر ذقنه.. ارتكز ليتمكن من حملي بيديه عالياً مردداً: حمداً لله على سالمتك يا ولدي.

صاح في بلال: اذبح الذبائح، وناد على الرجال، وأقم مأدبة عشاء فاخرة لهم، تيمناً بعودة ابني سالماً، وتكريماً لهم على تعاونهم، ووقوفهم إلى جانبي في محنت.. التم القوم حوله، وهم يتبادلون النظرات، والابتسامات، مداعبين أبي:

– غمة وانزاحت يا رجل، حمدا لله على نجاته من الوحوش!

ومنذ ذلك اليوم قرر أبي، عدم إيفادي وراء القطيع لوحدي.

1998

مقالات ذات علاقة

صباحات متشابهة!

فتحي نصيب

ذاكـــــرة وجـــــع

المشرف العام

الصاحب!

عبدالله الماي

2 تعليقان

حسين بن قرين درمشاكي 14 مارس, 2021 at 05:45

شكرا لموقع بلد الطيوب على بهاء التوثيق وسخاء النشر..قراءة ممتعة قارئاتي وقرائي الأجلاء.. ود و ورد وتقدير لصديقي الرائع الشاعر الجميل الأستاذ رامز رمضان النويصري..

_درمشاكي_

رد
المشرف العام 14 مارس, 2021 at 16:59

لا شكر على واجب أخي
وفي انتظار جديدك دئما

رد

اترك تعليق