قصة

أنا وأبي (3)

من أعمال التشكيلي محمد بشير
من أعمال التشكيلي محمد بشير


أيقظني أبي، في ذلك الصباح الخريفي البهي، مبكراً كنت أديت صالة الفجر معه في المسجد مع بزوغ الشمس، وإرسالها لأشعة خيوطها، الأولى، طلب والدي من “بلال” الذهاب إلى مربط النوق الحلوب.. تناول “بلال” قدحاً مصنوعاً من جذع سدرة مزخرف بأشكال، ورسومات غاية في الدقة والإتقان، ركل والدي ناقتي الشعلاء بمشط قدمه اليمنى انتفضت واقفة، مذعورة، تبولت شرع حوارها الصغير المكتسي بوبر كثيف هائل، شرع يلعق ضرعها، انتفخت أثدائها.. راح أبي يحلب اثنان وبلال اثنان.. وبلمح البصر امتلأ الإناء حليباً صافياً، تغطيه رغوة بيضاء اللون، كثيفة مددت ألبي إناء آخرا كان بحوزتي، سكب فيه الحليب، وعاد وبلال، يحلبان الناقة مجدداً.. قال لي أبي والحليب يتطاير على لحيته الكثيفة الشعر:

– اشرب حليبك.

قرعت في القدح، ورحت أشرب الحليب دون نفس، حتى ارتويت، رفعت رأسي، تنفست .. نفسا عميقاً، نظر إليّ بلال، وانفجر ضاحكاً، معلقاً، على منظر رغوة الحليب التي علقت بشاربي، التفت إلى والدي الذي واصل ركل النوق، الواحدة تلو الأخرى ويستحلب حليبها الطازج، الحلو المذاق، حتى امتلأت كل الأواني فنادى على الخادمة التي راحت تنقل الحليب إلى حيث أمي، وشكوتها العريضة، فشرعتا تمخضان الشكوة، لاستحضار الزبدة، واللبن الرائب.

أمرني أبي بالذهاب وراء القطيع ريثما يلحق بي بلال، الذي غادر إلى البئر للتزود بالمياه في السهل المنبسط، والممتد إلى ما ال نهاية، خطرت لي فكرة أن أجعل كبشي ذا القرنين الكبيرتين، الملتويتين حد رقبته، وكبش الجيران يتعاركان.. اقتربت من كبش، أمسكت بذيله فاستدار نحوي محاولاً نطحي، تفاديت قرنيه، أمسكته من رقبته، اقتدته إلى حيث كبش الجيران الذي كان يراود نعجة عن نفسها.. أطلقت سراحه وبدأ العراك، وكأنهما كانا ينتظران هذه اللحظة بفارغ الصبر.. استمر الكبشان يتعاركان بلا هوادة دون توقف، حتى اشتممت رائحة شرر النار المنبعثة من قرونهما.. سقط كبشي صريعاً.. نزف أنفه دماً.. بدأت لي رأسه وكأنها تهشمت من هول الصدمة، هرولت صوبه، ارتميت على ظهره ورحت أبكي، وانتحب.. قررت الثأر له من كبش الجيران.. بجواري كانت هناك.. عصا غليظة شرعت انهال بها على كبش الجيران الذي بقي في مكانه في أوج ثورة غضبه.. ينبش التراب بحافره.. لم أتوقف عن ضربه حتى خر مضرجاً بدمائه التي سالت غزيرة، حتى فارق الحياة.

خاطبته بتعال وأنا أتخطاه:

– أتعتقد أن دم كبشي رخيص؟

جرجرته إلى حيث مغارة عميقة، اعتادت الذئاب أن تتخذها ملجأ لها يقيها حر وقيظ الصحراء اللافح.. رحت أردم المغارة وأرفس عليها حتى تهاوت، واستوى التراب على الكبش.. جريت عائداً أدراجي إلى الخيم.. كان أبي قد غادر لتوه إلى نجع إحدى القبائل المجاورة، لزيارة شيخها الذي تعافى من مرض عضال، أقعده الفراش، ردحاً من الزمن، بالقرب من مربط الجديان، والخرفان، كانت أمي وخادمتها تقومان بتنظيف بقايا براز الغنم، هالهما صوت بكائي، وأنا انتحب.. أسرعت أمي لملاقاتي:

– لم تبك؟ ما الذي أصابك؟

اختلقت قصة كاذبة، مفادها أن أحد اللصوص هاجمني وقتل كبشي، وسرق كبش الجيران..

لم تنطلي على أمي تفاصيل روايتي تلك. لم تكلف نفسها عناء التفكير فيها حتى عرفتني أنني أنا الفاعل، إذ كنت شقياً، وولداً طائشاً.. صفعتني على خدي حتى أحمر، عاودت صفعي وهي تشدني من أذني وتقول لي قل الصدق، وإلا أخبرت والدك بالأمر. أخبرتها الحقيقة كاملة.

– أين القطيع؟

– في السهل.

– اذهب وعد إليه قبل أن يتوه، وحالما يعود بلال سأجعله يلحق بك إلى المرعى..

وتشاء الصدف في ذلك اليوم أن يحل علينا عمي، ضيفاً كريماً، معززاً، برفقته ولده الذي بقي على البئر، يتزود بالماء، ويسقي حصانه، وفرس عمي.

لم أرى ابن عمي محمد مذ كنا صغيرين.. حيث انتقل عمي إلى الحضر، وآثر والدي البقاء في البادية، متشبثاً بها حد الجنون.. ارتبط بها كثيراً، وانصهرت في دمه، ولم يغادرها إلى أن رحل إلى الرفيق الأعلى علم إبن الجيران، بأمر مقتل كبشه وهو على البئر.. استنفر قواه وأخبر أخاه، وجداني مع القطيع.. أمسكا بي، أوسعاني ضرباً مبرحاً، كانا سيربطاني في ذيل الحصان ويطلقان عنانه، في تلك الأثناء، كان ابن عمي ماراً بالقرب منا سمعهما يقولان لي:

– لم قتلت الكبش يا “حسين”؟

عرفني ابن عمه، هرول باتجاهنا.. أمسك الأخ الأكبر ولكمه على صدغه أخرج سكيناً، وحاول طعنه بها، لولا أن لاذا الاثنان بالفرار.. عاد إليّ ساعدني على الوقوف، والدماء تلطخ ثيابي.. سألني عما جعلهما يضرباني هكذا؟ قصصت عليه الواقعة، واصلنا سيرنا إلى الخيام، كان عمي بانتظارنا، ويبدو أن ابن الجيران، أخبره بالأمر.. كان عمي يرحمه الله، طيباً حنوناً.. كان يحبني كثيراً.. ارتميت على حجره وأنا أبكي، راح يمرر أصابع يده الدافئة، التي كانت تداعب حبات مسبحته الجميلة، على شعر رأس ي، وقال لي:

– أسكت لا عليك، سوف لن يضربك أباك.. وسنعوض الجيران في كبشهم..

في المساء عاد والدي من رحلته القصيرة.. علم بالأمر، قال وهو يخاطب أخاه:

– والله يا أخي، هذا الولد الشقي سيوقعني يوما ما، في مشكلة، أنا في غنى عنها..

عمي: ما يزال صغيراً، سيكبر، وينصلح حاله.. أنا متأكد من ذلك.

أبي: إنه الآن في السادسة من عمره، وهو لم يتغير بعد.. ما يزال شقياً، وكل الجيران، يشتكون منه.

عمي: عوض الجار في كبشه، وخلي الولد إنه لا يفقه تصرفاته.

نادى أبي على بلال، وأمره باستدعاء جارنا وابنه.. حضرا معاً، تناولا العشاء مع أبي وعمي.. طلب منهما أبي السماح، وعدم أخذه بجريرة فعلتي الشنيعة تلك، وقال لبلال:

– اذهب وأريهما النعجة كذا، والنعجة كذا، والكبش الصغير.. وأرجو أن يقبل جارنا الكريم تلك الرؤوس عوضاً عن كبشه المقتول.. صرخ الجار في أبي قائلا:

– نحن جيران يا رجل! وابنك بمثابة ولدي.. والله لن أقبل تعويضاَ في كبشي، ومتى كنا نحاسب الأطفال على أخطائهم الصغيرة؟

وصافح أبي، وعمي، وعاد إلى خيمته وانتهت بذلك محنتي مع الجيران، وزال كابوس خوفي، من أن يعاقبني أبي.

1998

مقالات ذات علاقة

المنفى

خيرية فتحي عبدالجليل

الجواب

الصديق بودوارة

نادر

حسين نصيب المالكي

اترك تعليق