من أعمال التشكيلي بشير حمودة.
قصة

أنا قط

من أعمال التشكيلي بشير حمودة.
من أعمال التشكيلي بشير حمودة.

 

أنا قط . ولدت و ترعرعت هنا ، في هذه المقبرة ، إسمي .. لدي ثلاث أسماء ، ” أسود و مَعشر و أليف ” ، عمري عام و نصف لوني أسود .. لهذا أطلقت عليا القطط الأخرى و الحيوانات التي تعيش هنا اسم أسود و أما قصة الاسمين الآخَرَيْن فسوف أخبركم بها تباعا كما ذكرت سابقا ، أنا أعيش في مقبرة ، أو بمعنى أصح ، كنت أعيش في مقبرة ، قبل أن ألتقي رفيقي بحكم أَنَّ لوني أسود ، تعودت من الناس عندما تراني أن تُعَوِّذَ و تُبَسْمِل فمعظم الناس هنا ، لديها ذلك التصور ، أَنَّ كل قط أسود من المرجح جدا أنه جني ، و خصوصا إذا ما رأوك في مقبرة

عندما جاء رفيقي إلى المقبرة ذلك اليوم و رآني ، لم يُعَوِّذْ و لم يُبَسْمِل  لم أصدق ذلك . قلت لنفسي ربما هو شارد الذهن ، فتعمدت أَنْ أسرع الخطى و آتي أمامه و أقف و مرة أخرى لم يعوّذ و لم يبسمل ، بل ابتسم لي و أكمل طريقه باتجاه القبر الذي جاء لزيارته ،

لن تصدقوا فرحتي .. أن يعاملك إنسان على أنك قط و لست مخلوقا آخر غير ذلك ، شعور لن يفهمه إلا بعضكم ، فما ذنبي إن ولدت بلون أسود ، في بلد يؤمن بأن كل قط أسود جني شرير . أعلم أن معظمكم لن يكترث للفرح الذي غمرني ، فمعظمكم لا يتمتع بالإنسانية

آه صحيح ، من قال أن التعاطف مع الآخرين و الإحساس بالآخر سمة تخصكم وحدكم معشر الإنس حتى تسموها إنسانية ، على العكس نحن أفضل منكم ، فنحن لا نقتل للمتعة ، و لا نُعَذّبُ غيرنا ، و لا نتملق لمن لديه مال أو سلطة، أعذروني إن اندفعت في نقدكم ، فمعظمكم من الأفضل للجميع لو يموت

أعود إلى ما حدث ذلك اليوم مع رفيقي . فرحت كثيرا و ازداد فضولي . وصل إلى القبر الذي جاء لزيارته ، سَلَّمَ عليه ، أي على الراقد في القبر بصوتٍ عاليٍ ، و جلس على صخرة بجانب القبر ، و بدء بالحديث معه كأنه شخص حي بجانبه و ليس شخصا متوفى

لا أخفي عليكم أنني كنت أسترق السمع ، فحتى نحن المخلوقات الأخرى نصاب بالفضول .. صحيح ليس بنفس المقدار الذي يصيبكم ، فالفضول هو الذي جعل أباكم آدم و أمكم حواء يقدمان على الأكل من الشجرة المحرمة ، و لكننا أيضا نخضع لسلطان الفضول

أَخْبَرَ الشخص المتوفى كم يشتاق له ، أخبره عن شكل الحياة اليومية ، أخبره عما يضايقه ، و عما يخطط له

يتحدث و يصمت لبرهة ، كأنه يسمع رد المتوفى عليه . يبتسم إذا ما أخبَرَ المتوفى شيئا جيدا ، و يضحك إذا ما سرد له شيئا مضحكا

عرفت من حديثه أنه يحادث أمه ، أخبرها عن أخوته و عن الفتيات اللواتي يحبون، يبدوا أنها هي التي سألته ، لأنه كان صامتا كأنه يستمع ، و من ثم ابتسم و بدأ يتحدث ، أخبرها أنهن جميلات و أنها لو كانت هنا لأحبتهن، قرأ بعض القرآن و من ثم ودَّعَها و غادر

لا أخفي عليكم أنني أحبته ، فقد كان مختلفا ، فكل من يأتي هنا يقرأ بعض القرآن و يذهب ، و لكنه هو .. كأنه يجيء لزيارة شخص حي للحديث و قضاء بعض الوقت

أصبحت لا أغادر المقبرة لا في الصباح و لا في المساء أملا في رأيته مجددا

أصبحت بيننا ألفة . يبتسم عندما يراني، وقد قررت ذات ليلة في المرة القادمة عندما يأتي سأذهب إليه عند قبر أمه

 

بينما هو جالس سِرْتُ نحوه على مهل . ابتسم عندما رآني، أكملت مسيري حتى وصلت عنده ، أخذ يمسح على رأسي و قال أنت قط أليف . جلست بجانبه و عاد يتحدث مع أمه، ودَّعَها و ودعني و غادر

هو من أسماني أليف ، كلما رآني ابتهج و خاطبني باسم أليف . يحضر معه علبة تونة كلما جاء . و من ثم أصبح يحضر علبتين ، فعلبة واحدة لم تكن تكفي . فأحيانا يكون أحد القطط الأخرى قريبا ، يشم رائحة التونة و يأتي طلبا للطعام، أصبح الوقت الذي أقضيه برفقه الأحب إلي ، و أصبحت أحزن عندما يغادر

 

ذات مرة كان حزينا ، لم يكن يتحدث كثيرا ، كنت بجانبه فقال:

وجدت في القبور دفئا   **   أكثر مما فيكم معشر الأحياء

لم أفهم معنى كلمة معشر،  فذهبت مسرعا إلى البوم الحكيم الذي كان يعيش بشجرة عالية، سألته عن معنى كلمة معشر ، فأخبرني أنها تعني مجموع

أحببت الكلمة و أطلقت على نفسي اسم معشر ، فأنا لست قطا فردا ، أنا مجموع من الأفراد .

عندما نهض ليغادر ، ذهبت معه حتى وصل إلى سيارته . فتح الباب فقفزت و جلست معه، ابتسم و قال لي هل تريد الذهاب معي، مَوَيت بمعنى أجل ، و يبدو أنه فهمني ، أو هكذا خُيّل إلي

و منذ ذلك اليوم و أنا أعيش معه . مع رفيقي

هذه حكايتي .. أنا قط . و لدت و ترعرعت في مقبرة ، الحيوانات التي في المقبرة أسموني أسود لأن لوني أسود ، رفيقي أسماني أليف ، و أنا أطلقت على نفسي اسم معشر ، و ما زلت أرى أننا نحن الحيوانات أفضل من كثير منكم معشر البشر

 

 

 

مقالات ذات علاقة

الـمـزيـودة

عبدالرزاق العاقل

الثور

أحمد يوسف عقيلة

المهدي القنطراري ودوره في اسقاط هتلر

أحمد إبراهيم الفقيه

اترك تعليق