من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
قصة

أنا الناس!

من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
الصورة: عن الفيسبوك.

 

في المجتمعات الرعوية والزراعية في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، يعتبر المطر من أهم الاحتياجات النفيسة والضرورية التي تعتمد عليها حياتهم، ولا يمكن الاستغناء عنها.. على الماء تقام الزراعة البعلية والمقتصرة على حقول الحبوب بأنواعها، وتعيش عليها أنعامهم كالإبل والأغنام.

بمجرد أن ينتهي فصل الصيف ويبدأ فصل الخريف وهو موسم الحراثة، حتى يأخذ الناس المتلهفين منهم حد الهوس بهذه المهنة في انتظار السحب بتشنج وضراعة، وملاحقتها وخاصة الماطرة المليئة بالماء ويتابعون مرورها وتنقلاتها من مكان لآخر وهي تعبر سابحة في أعالي السماء وكأنهم يستجدونها أن تنزل ماءها.. ويلاحظون البروق وهي تومض في الأمكنة البعيدة والأودية القصية ويغبطون مواقع هطولها، فيقول لك الواحد منهم أن هذه البارقة التي تومض الآن هي فوق وادي “الأثلة” أو فوق وادي “فيصل”، ونادراً ما يخطئون رصدها والتكهن بأماكن سقوطها، ومن لا يهتم بالأمر، ويهم بمنافسة بقية الناس، لا يعتد به ولا يحسب له حساب، ويعدّونه من الهامشيين و حتى ينظر اليه باحتقار.

هطلت الأمطار بغزارة كافية هذا الخريف، وسالتْ الأودية وفرح الناسُ جميعهم كثيراً بذلك، لأن جلهم أو كلهم فلاحون، ومن لا يفلح الأرضَ لن يجدَ ما يأكله. وينهمك الفلاحون في الاستعداد للشروع في عملية الحراثة، فيتفقدون محاريتهم وسككها ليتأكدوا من صلاحيتها ويجهزون كمية البذور التي يحتاجونها، وإبلهم أيضاً التي ستحرث الأرض. ثم يخرجون الى الأودية المجاورة أو البعيدة، حيث يقيمون هناك لمدة تصل الى أسبوع أحياناً أو أكثر، يقضونها بين الأودية ليحرثوها.

الشيخ “علي” أمر أبنائه بإعداد عدة الحراثة، وبقية اللوازم، وتجهيز أنفسهم للسفر على ظهور الإبل إلى الأودية التي تنتظر فلاحيها، لأنه يستعجل الخروج الى الأودية كأي فلاح متحمس وجاد بقي ينتظر هطول المطر ردحاً من الزمن.

من العادة ينتظر الفلاحون حتى تمتص الأرض المياه وتزول البرك التي تتجمع بعد توقف السيل وتشكّل وحولاً وتصبح الأرض لينة تعيق الحراثة، حدد لهم وقت الخروج في صباح الغد باكراً طالباً منهم الاستعداد لذلك، أجابه أحد أبنائه مستنكراً:

– لنتريث قليلا ليوم أو يومين حتى تخرج الناس أولاً.

لكن الشيخ علي توجسَ الكسلَ والتراخي والإحباط  من رد ابنه، وأجابه بانفعال وتحدٍ:

– أنا الناس الذين تعنيهم بكلامك!.

وأكمل متباهياً:

– أخرجُ أنا أولاً وأتقدمهم جميعاً، وبعد ذلك يُشارُ اليّ بالبنانِ ويقولُ عني الآخرون: ها هم الناس قد خرجوا لحراثة أرضهم..

مقالات ذات علاقة

اثــنـان….

محمد العنيزي

حُلم

المشرف العام

الشجرة والعصفور

خالد مصطفى كامل

اترك تعليق