من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
قصة

أمك طمبو ..

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

“فصل الخريف كاد ينقضي. لا غيوم في السماء تبشر بشتاء حافل بالأمطار. الشجر يجعجع بين الفينة و الفينة طالبا قطرة تروي عطشه. التراب الجاف يتلحف الوادي منتظرا شفقته و رحمته. حشائش الديس صبرت نفسها حتى ميلاد غيمة واحدة ..هي الآن يئست و استسلمت للذبول و الجفاف… السفح الأخضر الفسيح استحال عشبه قش محترق.

ظلال الجبال تكمشت و الزعتر و الكليل اختبأ خلف الصخور. السحالي و ‘البوبريصات’ تيبست جلودها في الشقوق. قطيع من الماعز قرونها محشورة في حجارة الوادي. بطونها منتفخة و النتانة تجذب الذباب .

أيام الشتوية تساوت مع أيام الصيف. الشمس تلذع الرؤوس. أنات طويلة تشكو في جوف الليالي. سبيل الحياة انقطع من البلدة. ماذا في وسع الأهالي فعله بعدما حل البوار بهم و توقف المطر عن الانهمار هذا الشتاء؟ .

أول عام يشعرون فيه بقيمة الماء في حياتهم. حلوقهم الجافة تبرهن على موتهم المقترب لا محالة ..
فصل الشتاء ينتصف و الغيث يأبى عليهم زيارة و لو خطفا.
أي شنيعة ارتكب القوم حتى عوقبوا بالحرمان؟!.. ..مؤكد أمر فظيع !!.

***

في طرف خفي من الجبل كانت تسكن “أمك طمبو” في داموسها الدافئ. متوارية عن أنظار الفضوليين. لا تخرج إلا نادرا متخفية في ردائها و رأسها المغطى ببرنوس “شكارة الخيشه” .لا أحد يزورها و لم يرها أحد منذ شهر مارس من العام الفائت.

عمرها لا يمكن تقديره فهي عجوز مخضرمة واكبت الأجيال التي تعاقبت على البلدة. ذاكرتها معبئة بالأحداث و المواقف. تحفظ التاريخ و تسرده في ساعات وجيزة.

قصدها أحدهم يوما و هي في بيتها في البلدة يأخذ عنها بعض ما تكنزه من معارف. كشفت له سرا دفينا يخص “مختار البلدة” و عائلته.

أذيع السر و وصله طراطيش منه! . . عليه لملمة الفضيحة و تبرئة نفسه و عائلته مما نسب إليهم قبل أن يصدقوا ما قالته. اتفق جميع الأهالي على إقصاء ‘أمك طمبو” و إبعادها عن بلدتهم بحجة أنها عجوز خرفت و صارت عالة لا يستفاد منها.

***

في أول مارس غيمت السماء .تهللت البلدة فرحا. الشمس تحاول فك الحصار لتوديع الكهلة المسكينة فيما كانت السماء تغالب دمعها الحزين جراء ما تشهده مآقيها من ظلم و زيف.

“يغطي عين الشمس بالغربال!!”.

نظرت حولها. ابتسمت و لمعة تزين عينيها الغائرتين ثم توارت عنهم.

غادرت معها السحب إلى غير رجعة.

***

كل شيء يصطرخ و يتغوث مناديا “أمك طمبو”….. “أمك طمبو يـاالله …صبي الخير انشاالله”.

هل تسمعهم في داموسها القصي فتلبي النداء؟!… ”

___________________________________

2-أكتوبر

مقالات ذات علاقة

الصــبي/ الـــوردة

محمد الزنتاني

ذاكرة مفقودة

رحاب شنيب

دافنينو سوا !!

عوض الشاعري

اترك تعليق