المقالة

أمـام البحـر لا يمكـنني الكـتابة.. ثـرثـرة حـول المـعانـاة

 

أول مرة سمعت عن الكتابة والمعاناة كانت ضمن برنامج مسموع تبثه الإذاعة بعنوان ما يكتبه المستمعون يعده القاص الليبي سالم العبار ويقدمه الشاعر الليبي الراحل عبد الله عبد المحسن.. كان ذلك في فترة بداية التسعينيات من القرن الماضي.. وكانت مقدمة البرنامج تركز كثيرا على كلمة معاناة.. وكأنها تقول أن الكتابة ليس أمرا هينا.. أنها مخاض وألم ومعاناة حقيقية.. ويبدأ البرنامج من خلال عرض عدة نصوص لكتاب ناشئين هم معروفين الآن والتعليق على أهم ما جاء فيها من حسنات وهنّات حسب وجهة نظر الناقد معد البرنامج.. ومع ازدياد جرعات القراءة التي أتناولها بصورة يومية فهمت كلمة معاناة بوجهها الحقيقي وذلك من خلال قراءة روايات وكتب أدبية لعدة كتاب منهم ديوستوفسكي وجان جينيه ومحمد الماغوط ونجيب سرور وأمل دنقل وجيلاني طريبشان وغيرهم من الكتاب الذين تألموا من منغصات الحياة من سجن وفقر ومرض وظلم وغيرها.

وكنت أركز كثيرا على حياة كل كاتب أقرأ له لأعرف جانبا من سيرته الذاتية لأعرف الظروف التي كتب فيها نصوصه.. بالإضافة إلى موضوع نصوصه هل هو تجربة شخصية أم خيال خالص.. والشيء الذي توصلت إليه خاصة بعد أن مارست فعل الكتابة وعشت العديد من الظروف الحياتية الخاصة أثناء فعل الكتابة أن المعاناة ليست كل شيء.. ولا يكفي الإنسان أن يعاني مثلا من تجربة السجن أو الفقر أو المرض أو القهر أو الحرمان كي يكون كاتبا جيدا.. فالشيء الأساسي حسب وجهة نظري في عملية الكتابة سيبقى دائما هو الموهبة.. ففي غيابها أو ضعفها لا يمكن للكاتب أن ينتج نصا جيدا يلقى القبول من شريحة عريضة من الذائقات.

وقد تكون المعاناة والدراسة والصقل وعملية الورشة الإبداعية التي يتم من خلالها تنقيح النص وتجويده روافد جيدة لجعل الموهبة تظهر مشعة أكثر.. لكن في غياب الموهبة تظل هذه الروافد عاجزة عن إنتاج نص حي يتنفس.. وقد تنتج نصا تتوفر فيه كل شروط النص الجيد من الناحية الأكاديمية.. لكن هذا النص بالمفهوم الإبداعي يعتبر نصا ميتا لأنه لا روح فيه أو أن روحه نائمة تحتاج إلى نفخ الحياة من فم الموهبة المبتعد عن كيان هذا الكاتب.

ونستطيع أن نشبه هذا النص بنص الورود البلاستيكية التي تراها جميلة لكن لا تنتج عطرا أو حياة ويغلفها الغبار سريعا.. ويكفي أنها غير قابلة للنمو.. وإن مستها النار ساحت وإن أشرقت عليها الشمس مرارا بهت وتلاشى لونها مهما كان تثبيته الكيميائي قويا.

الكثير من الكتاب الآن خاضوا تجربة السجن وما تمنحه هذه التجربة للإنسان من هدوء وتأمل وتعلم.. ومنهم من دخل السجن وهو ليس كاتبا.. لكن بعد الخروج من السجن صار كاتبا من خلال اختلاطه ببعض الكتاب في داخله.. وبمراجعة سريعة نجد العديد من هؤلاء حتى بعد أن خاضوا هذه التجربة الثرية والمؤلمة مازالت نصوصهم ضعيفة حتى التي يكتبونها عن معاناتهم داخل السجن وذلك بسبب فقدان الموهبة بالأساس أو ضعفها.

إن تجربة الفقر والحرمان والبؤس التي عاشها الكتاب خاصة في مرحلة الطفولة عندما تمت كتابتها من كتاب موهوبين تحولت إلى أدب رفيع باق.. ولو تناولنا تجربة الكاتب ديوستوفسكي الذي تعرض للسجن بل سيق ذات مرة إلى ساحة الإعدام وأعدم عدد من رفاقه المتراصفين معه في الصف نفسه.. وجاءه العفو أخير قبل دقائق معدودة من تنفيذ الحكم فيه.. ولو استعرضنا ما عاناه هذا الكاتب في سجون سيبيريا الباردة جدا لرأينا أنه عاش تجربة رهيبة بإمكانها أن تصنع كاتبا كبيرا لو تم عرضها إبداعيا بصورة جيدة.. وبالفعل ولأن ديوستوفسكي موهبة كبيرة في مجال الكتابة حتى قبل دخوله السجن وسوقه إلى ساحة الإعدام فإن هذه النصوص التي كتبها عن تجربة السجن كانت نصوص كبيرة ومؤثرة وحية ككتابه بيت الموتى.. ولكن حتى وإن لم يعاني ديوستوفسكي تجربة السجن والترهيب فهو كاتب كبير وسنرى ذلك في رواياته الأخرى التي لا يتناول فيها هذه التجربة المؤلمة كرواياته وكتبه الأخرى : الأبله.. الجريمة والعقاب.. الأخوة كورمازوف.. الليالي البيضاء.. وغيرها.

الذي أحب أن أقوله أن ديوستوفسكي لو أنه غير موهوب بالأساس فإنه لن يكتب جيدا.. وإن المعاناة وظروف الحياة السيئة لن يضيفا شيئا لإبداعه وستتحول مادة المعاناة هذه إلى قمامة ما إن يقوم بتدوينها على الرغم من أن عرقها وحبرها من ذهب لدى المواهب العظيمة.

العديد من الناس تعيش المعاناة اليومية والمعاناة الأشد قسوة كالسجن ظلما أو القهر أو المرض أو الجوع أو الفقر المدقع.. وبإمكان هذه الناس أ، تكتب شعرا قصة روايات نصوص مفتوحة.. لكن هل ستبدع هذه الناس عبر كتابة هذه التجارب ؟ بالتأكيد لن يبدع إلا من كانت لديه الموهبة.. والآن في عصر النت والمدونات والفيس بوك بإمكان أي إنسان أن يكتب تجربته وسيتحصل على ملايين القراء.. ولكن هل ستكون كتاباته إبداعية.. بالطبع لا.. فالشرط الأساسي أن يكون موهوبا بعدها تأتي العوامل الأخرى كالنشر والحظ والدعاية وغيرها.. ولو تأملنا للمشهد الثقافي الليبي وبالأخص الناس التي عانت من السجن.. منهم من دخل السجن ورصيده في مجال الكتابة مقالة أو اثنين ومنهم من لم يكتب حرفا.. ولكن بعد السجن الجميع تحولوا إلى كتاب معروفين مشهورين محليا وحتى عربيا بسبب الاحتفاء الذي وجدوه والدعم المستمر من المؤسسات الثقافية الرسمية.. لكن بعيدا عن هذا الضجيج وبوضع إنتاج هؤلاء الكتاب على محك النقد هل هو إبداع جيد أم أنه ردئ.. بالطبع سنترك الحكم للقارئ.. أو للزمن الذي بدأ يكبس الكثيرين في برطمانات ظلامه خاصة بعد انتشار الصحف والمجلات والنت وتراجع الإيدلوجيات إلى الصف الخلفي حيث أصبحت تجربة السجن موضة قديمة وما عادت تنفع المتاجرة بها.. خاصة بعد استلام العديد لتعويضات مادية وفق أحكام قضاء حكمت ببراءتهم مما نقرأ من هذه الأحكام أن هؤلاء لا علاقة لهم بالنضال إنما سجنوا ظلما أو خطئا وتم تعويضهم وقفل الملف.

وسأكرر الأمر أن الأهم في عملية الكتابة ليست الظروف التي تعني المعاناة سواء كانت معاناة ألم أو راحة إنما الأهم دائما هو الموهبة.. فلو تم سجن موهوب واحد لعدد من السنوات لتحصلنا من خلال كتابة تجربته وما استفاد من السجن على كاتب كبير يضاهي ديوستوفسكي أو تولستوي أو وليم شكسبير.. لكن للأسف.. لم نقرأ عن السجن كتابات جيدة.. نصوص عادية.. قصائد عادية.. أي كاتب يستطيع كتابة مثلها.. مع احترامي بالطبع لمعاناة أصحابها وعيشهم تجربة مؤلمة على الصعيد الإنساني.

ومن جانب آخر أحب أن أقول أن المعاناة ليست تجربة السجن أو الفقر أو المرض فقط أحيانا العيش في حرية يعتبر معاناة.. حرية كبيرة لا تعرف كيف تصرفها.. الرفاهية أيضا تعتبر معاناة.. معاناة بسبب التخمة.. والشبع.. فنجد الكثير من الكتاب الأغنياء الذين عاشوا ظروف جيدة.. ولم يجدوا صعوبة في النشر أو السفر أو المشاركات الخارجية أو الداخلية.. وهذه المعاناة الدسمة حاولوا أن يترجموها وأن ينتجوها أدبا في كتاباتهم لكن للأسف فشلوا في ذلك.. لأن توفر الإمكانيات لا يجعل عملية الكتابة ناجحة.. فمن الممكن أن تصنع سيارة جميلة أو طائرة متطورة.. لكن تبقى المسألة الأهم هي مسألة الوقود.. الطاقة.. والطاقة هي الموهبة.. هل توجد موهبة لتبث في هذه المخلوقة الحياة أم لا ؟.. وقد تكون الطاقة في هذه المخلوقة ذاتية.. أي تحيا من غير وقود أو مساعدة.. وهذه الطاقة بالطبع نادرة.. أو أنها توجد في الإبداع الطبيعي فقط.. كاللوحات التي ترسمها السحب.. أو الأنوار التي ترسم بها الشمس سيمفونية دفئها الدائم.

وعندما نسأل كيف يتم اكتساب الموهبة.. سنجب أن هذا الأمر سر رباني.. فالموهبة لا يمكن اكتسابها أو بيعها أو صناعتها لأنه أمر يخص الخالق.. ثروة يوزعها هو فقط.. وكل إنسان منحه موهبة معينة عليه أ، يبحث عنها وبالطبع لن يجدها بسهولة.. لأن الموهبة كالنار لمسها حار وترك اليد على موقدها ألم غير محتمل.. والخطأ الذي يقع فيه الإنسان الآن أنه دائما لا يعرف طريق موهبته.. فالموهوب في كرة القدم نجده يخوض في السياسة.. والموهوب في التجارة نجده يخوض في الميكانيكا.. والموهوب في الكهرباء نجده يخوض في الغناء.. ومن هنا تأـي أهمية كبير للمؤسسات التربوية الخاصة باكتشاف المواهب وتوجيهها ورعايتها.. ولكن هناك مشكلة في هذا الأمر وهي من هؤلاء الكشافة والأساتذة الذين لديهم قدرة على اكتشاف المواهب وتوجيهها.. سيكون الأمر نسبيا.. وستقع أخطاء كثيرة في اختياراتهم.. وهناك شواهد كثيرة خاصة في المجال الرياضي دليل على خطأ هؤلاء الكشافين فكم لاعب موهوب تم إبعاده من فريق ما كاللاعب فوزي العيساوي أو اللاعب الدولي زين الدين زيدان وبعدها صار هذا اللاعب نظرا لإيمانه بموهبته ولجهده المبذول من أفضل موهوبي العالم.. وستبقى في النهاية عملية اكتشاف الموهبة إحساس داخلي.. ينمو داخل الإنسان.. يحسه في أ‘ماقه.. يعاني منه كثيرا إن لم يستطع إشباعه بصورة مُرضية سليمة.. ومن هنا تجد عشاق الأدب يصابون بالدوار عندما يغيب عنهم الكتاب وستكون المعاناة الحقيقية المؤلمة هي أن يضل ( يتوه ) الإنسان طريق موهبته فيبدد معاناته ويفرغها في قوالب غير ملائمة لها تظهرها قبيحة منبعجة في غير جمال.. مشوهة جدا لا ينمكن إصلاحها أو معالجتها مهما سكب عليها من طلاء أو زق في ثنايا شقوقها أنهار من الرغاء.. والحل هو حرقها وبدء رحلة البحث عن تلك المواهب المفقودة.. يحدث هذا للكتاب الحقيقيين الذين بعد الانتهاء من كل نص يسألون أنفسهم ربما تكون موهبتي ليس في مجال الكتابة.. دعني أتريث قليلا.. دعني أراجع نفسي.. أحاسيسي.. لا يبدأ نصا جديدا إلا بعد أن يشعر أن جمرة الجنون قد بدأت تحرق قلبه ولم يعد يحتمل فيهرع إلى دواة الخبر لإطفائها.. وبالطبع هناك من لا يشعر بهذه الجمرة إطلاقا فنراه لا يتوقف عن الكتابة ليل نهار.. بل أن كاتبا صحفيا من الذين يعيشون معاناة التخمة من سفريات ومكافآت ودلع.. قال لي أنه يكتب المقالة الصحفية ذات الورقتين في خلال ثلاث دقائق وبإمكانك أن تمسك لي الوقت.. لم استطع أن أمسك الوقت له.. فموهبتي ليست ميقاتي.. وكذلك لأن هذا الوقت وأنا جالس إلى جانبه أحسست أنه وقت ملوث.. وداخل المقهى نرجيلات كثيرة مشتعلة الكراسي.. لكنه استحلفني واستنفر كل حواسه وحماسه للتحدي.. فاقترحت عليه أن نخرج إلى طاولة خالية قريبة من شاطئ البحر.. بعد أن جلسنا قدمت له ورقتين فولسكاب وجذب هو قلمه الجاف من خلف أذنه.. وقلت له الآن أكتب.. سأحسب لك الوقت على ساعة هاتفي النقال.. بصراحة لم يستطع أن يكتب المقالة.. كتب ثلاث كلمات ثم حرن التدوين.. نظر لي وأطلق ضحكة مجلجلة.. فسرتها سيميائيا.. أنه أمام البحر لا يمكنه الكتابة.

في النهاية لا أشعر أنه هناك معاناة في المشهد الثقافي الليبي أو ألم فمعظم الكتاب المعروفين يكسبون جيدا.. يتم إيفادهم على مدار العام بمنح كريمة.. يترأسون المجلات والملاحق وطبعا بثمن يشبعهم جيدا.. يطبعون كتبهم دون معاناة وبمكافآت مجزية.. ينالون مكافآت شهرية من أكثر من جهة.. ينالون الجوائز والتكريمات.. يعالجون على حساب المجتمع بسهولة ويسر وإن تأخر العلاج ارتفع الصياح حتى صار يصمغ الآذان.. ومقابل هذه المعاناة الباذخة لا نجد إلا نصوصا قليلة جيدة يمكنها أن تنافس عربيا على الأقل.. وهذه الميزات لا تتوفر للمواطن الليبي الآخر الذي خذلته موهبته ولم تأت في مجال الكتابة وأتت في مجال الزراعة أو البناء أو التعليم أو التمريض.. لم تعد كلمة معاناة التي سمعتها في برنامج سالم العبار ترن في رأسي.. وجرسها الآن صار صدئ تعلوه الطفيليات النتنة عدوة الموسيقا.. والسؤال هل فعلا الكتابة في ليبيا معاناة.. أم أنها باب من أبواب الرزق المغشوش بأقل جهد ممكن.. فقط قليل من الزحف والتمرغ والتحرب (من الحرباء) والتملق وبالطبع كثير من الرقص والتحجيل والتطبيل ومن يستطيع أن يزغرد فكثرة الزيت حلى زميتة.

30.04.2010

مقالات ذات علاقة

أوان الرواية

يوسف القويري

تشابه الذبح علينا

المشرف العام

محمد صدقي: الأغنية الليبية الحديثة الأم كانت بصوته

زياد العيساوي

اترك تعليق