قصة

أمام المرآة… أمام المحيط

بحر
بحر (الصورة: عن الشبكة)

 
وجه فتاة يافعة في الخامسة عشرة. ذلك كان وجهي وأنا أقف أمام المرآة. كنت أقضي وقتاً طويلاً أصفّف شعري، وأتأكد من دقة وجمال الضفيرتين قبل أن أجمعهما في ضفيرة واحدة من الخلف.
 
وحدي أنطلق إلى المدرسة. الشوارع كانت هادئة إلا من مرور بعض الناس وبعض السيارات. قلبي، عقلي، ونفسي، كلّ شيء مستقرٌّ وهادئ كنسمات ذلك الصباح.
 
أصل المدرسة بعد غياب يوم. تُهرع إليّ صديقاتي وزميلاتي في الفصل فرحات، يخبرنني عن قدوم مدرّس ليبي شاب وسيم.
 
في حصة التاريخ، مع مدرسنا الليبي الوسيم، كلنا نحب ونعشق التاريخ. كلنا متفوقات. كل من تتصور أنها يمكن أن تنال قلبه كانت متفوقة. قليلات لم يكترثن، ولم يكن هدفهن التفوق. أولئك كنّ يعرفن سلفاً أنهن خارج إطار المنافسة.
 
في حصة المادة العربية، مع أستاذنا المصري الأربعيني(نسيت اسمه). وسيم، أنيق جداً ويشبه الممثل شكري سرحان. لا تمرّ حصة دون أن أشاكسه. خاصة عندما يسألني سؤالاً في مادة النحو ولا أعرف إجابته، ككل مرة:
 
– شن هالجمال!؟ شن ها الأناقة، يا أستاذ!؟ فكّنا من القواعد والإعراب. خلّينا فيك انت، يا أستاذ. خلّينا في جمالك… إنت مكانك في استوديو في مصر. تصوّر في فيلم مع سعاد حسني والّا فاتن حمامة. شن جابك للغة العربية وهمّها، شن جابك؟ مكانك جنب عمر الشريف وشكري سرحان.
 
تنطلق ضحكات وقهقهات زميلاتي وتملاْ الفصل. يحمرّ وجه أستاذنا ويرتبك قليلاً. وهو يبتسم، يقول:
 
– بس يا جميلة. بس يا جميلة، يا مشاكسة، إنت مش حتبطّلي شئاوة. بس يا بنات، خلاص!
 
وقت انصرافنا، قبل الخروج من المدرسة، نتزاحم على زجاج نوافذ سيارات المدرسين والمدرسات المركونة داخل المدرسة. صديقتي سعاد كانت خبيرة بأنواع السيارات التي يصلح زجاجها لاستعماله كمرآة. لم تكن أيّ واحدة منا تهتمّ بإحضار مرآة، ولم يخطر ببالنا لماذا؟ لا أعلم.
 
رحلة العودة إلى البيت ننتظرها بشوق. هي نزهتنا اليومية. نستمتع فيها بنور النهار. دفء الشمس. تأمُّل وجوه العابرين، وخاصة الشباب.
 
هدى، نادية، سعاد وأنا. نخرج من المدرسة. أنا وسعاد أكثرهنّ زهواً وثقة بالنفس. نخرج معاً، ونحاول الاختباء من والد سعاد الذي يأتي بالسيارة عادة ليوصلنا إلى بيوتنا.
 
بعد دقائق من خروجنا تنفصل هدى لتكمل مشوارها إلى بيتها عبر طريق مختلف. بعدها بفترة قصيرة تصل نادية بيتها القريب من المدرسة وهي تتذمّر وتغبطنا لبعد بيوتنا عن المدرسة.
 
نكمل الطريق أنا وسعاد. الطريق من المدرسة إلى البيت لا يكون هادئا. دكاكين مفتوحة. سيارات، طلبة وطالبات يملؤون الشوارع والطرقات… نكمل طريقنا وكلّنا زهوٌ وفرحٌ وثقة.
 
على إحدى الطاولات المنتشرة في حديقة مقهى الريحانة نلمح الرجل العشريني الأنيق، الجذاب، ببدلة وربطة عنق. قبل أن نصل المقهى يكون قد نهض عن كرسيه واقترب من السياج القصير الذي يفصل حديقة المقهى عن الشارع. نمرّ كأننا لا نراه.
 
من هو هذا الشاب، ولماذا لا يظهر إلا يوم السبت؟ لماذا لا يظهر باقي أيام الأسبوع!؟ واضح أنه ينتظرنا. من يكون!؟ ومن التي تعجبه فينا؟ تضحك سعاد:
 
– أني، أني اللي عاجباته. ما اتّعّبيش روحك. أني أحلى!
 
– أني اللي عاجباته، وأني اللي أحلى منك. أني عيوني سود وكبار، وإنت عيونك صغيرات.
 
– أني بيضا! اني اللي يحبني، وانت سمرا. هو أسمر، لازم يحب البيض!
 
نستمر في مشاكساتنا ونضحك. نضحك ونضحك ونضحك. نغنّي معا أغنية أمازيغية تعلمتها من سعاد: ”دونيتا ملالت.. دوليزوا.. غصيغاص تمتانت.. متى قتا قولا.. نيتشي غصيغا“.
 
نكمل الطريق. همساتنا، أحاديثنا، ضحكاتنا تلامس السماء.
***
 
لا أقف كثيراً أمام المرآة. عادة ما أكون على عجًل. لا أهتم ولم أر، أو ربما لم أنتبه إلى تجاعيد الخمسين التي تتحدث عنها صديقاتي. أهتم كثيرا بوصولي قبل الموعد، أكثر من اهتمامي بأي شيء آخر. أقابل راشين، صديقتي الإيرانية، الأربعينية التي تشبهني كثيراً: لون بشَرتها الأسمر. شعرها الكيرلي. عشقها ارتداء الجينز الممزق والتيشيرتات القطنية.
 
الجو رائع ومشمس، كالعادة في فصل الصيف في مدينة فكتوريا. على الهاربر، في الداون تاون، ألتقي مع راشين. تحضنني وتختم جملتها الإنجليزية، كالعادة بكلمة “حبيبي”. أنا وراشين نتحدث كثيراً. عن أوطاننا. بيوتنا. عن عائلاتنا. نتحدث عن أبي وأبيها. أمي وأمها. عن إخوتنا. أكلاتنا المفضلة. طريقة تحضير الشاي والقهوة في ليبيا وإيران. طفولتنا، صبانا، شبابنا. عن أول وآخر حب. نتحدث ونتحدث ونتحدث…
 
أغنّي لعبد الحليم الذي تعشقه ويذكِّرها بطفولتها عندما كانت تسكن منطقة في إيران يسكنها كثير من العرب. راشين لا تفهم إلا كلمات قليلة من لغتي، ومع ذلك تحب سماع الأغاني العربية.
 
تغني راشين باللغة الفارسية. تحاول أن تترجم لي أغنيتها ذات اللحن الشجي. حبيب فقد حبيبته يشبِّه نفسه بشجرة وحيدة في صحراء قاحلة.
 
مواجهتين للمحيط نقف. نتكلم معظم الوقت، ونغني بعض الأحيان. نخلع نظاراتنا الشمسية ونواجه بعضنا كلما تحدثنا عن أشياء مهمة. عن أحلامي، مثلاً. أحلامي التي اختزلتها في أولادي.
 
تخلع نظارتها عندما تحدثني عن أول حبيب لها. عربي كويتي، غادَر ولم تعرف عنه شيئاً. وعندما صادف وقابلت من يعرفه، علمت أنه حوّل بيته إلى حسينية.
 
نسمة المحيط تُسقط طرف شالها الذي تلفّه حول عنقها. أمدّ يدي، أتحسّس طرفه وأنا أقول:
 
– لا بدّ أن يكون لي شال مثل هذا الشال. شال فلسطين.
– هل هو شال فلسطين فقط !؟
 
مواجهتين للمحيط نقف. نغنّي. ننتزع ضحكاتنا من قلوبنا المكلومة. ضحكاتنا لا ترتفع ولا تلامس النجوم. ضحكاتنا تسبح بحزن وأسى وخذلان فوق المحيط. ربما هي تلامس طيفاً. تلامس روحاً شغفت بنا ذات يوم. تلامس قلوب أمهات حزينات ينتظرن.
_________________________________
– نشر بصحيفة (الصباح)

مقالات ذات علاقة

دَم..!!

أحمد يوسف عقيلة

رقاص الساعة…

هدى القرقني

النيزك

علي فنير

اترك تعليق