من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
مختارات

أماسيُّ سبها.. و رسائل الشِّعر

من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي

 

في لحظةٍ استثنائيّةٍ من الزمن الذي نسميّه العُمُر ، وفي محطّةٍ غير اعتياديّةٍ على طريق الحياة ، يَمُنّ علينا القَدَرُ بصحبةِ رهطٍ نجدُ فيهم سلوتنا وعزاءنا ، فيكونوا لنا بذلك وطنٌ في غُربة الرّوح ، و سَكَنٌ في سِنِيّ التّيه ، و واحةٌ ظليلةٌ فيحاء في زمهرير الواقع المُحبِط ، فتَشُدّ إليهم الرّحالَ القلوبُ قبل خُطى الأرجلِ ، و تتّخذهم الأرواحُ حجّاً و قِبلةً ، ويكون الحديثُ معهم أملاً وغايةً .
أقول هذا ، و قد تذكّرتُ تلك الأمسياتِ الجميلةِ التي جمعتني بهما ، فعِشقُنا للّغةِ العربية قرّبَ أمزجتَنَا ، والإبحارُ في عوالمِ الشّعرِ و الأدبِ صهرَ قلوبَنَا في بوثقةٍ واحدةٍ ، حيثُ كُنّا نلتقي والشّمسُ تطبعُ قُبلتها الأخيرةَ على جبينِ الأرضِ قبل أن تخلُدَ لنومِها اليوميّ ، كُنّا نلتقي في ذلك الموضِعِ القَصيّ من المدينةِ ، في استراحة أقيمتْ على قِمّةٍ جبليّة تُشرِفُ على مدينة سبها من جهة الجنوب تُسمّى “فندق الجبل” ، كُنّا نهربُ بِشِعرِنا قبل ذَواتِنا ، لإقتناصِ تلك اللّحُيظاتِ المليئةِ بالشّجّنِ ، المسكونةِ بخيالاتِ الشّعرِ و غُربتِهِ و موسِيقاه ، كُنّا نجلسُ ثلاثَتُنا ، نرقُبُ عن بُعْدٍ تلك المدينةِ الغارِق اهلُها في التّفاخُرِ الزائفِ ، والثأر ، وحميّةِ الجاهليّةِ الأولى .
كُنّا نلتقي ، وكلٌّ مِنّا يحمِلُ غربته بين أضلاعِهِ ، آمِلاً في غدٍ يملأ النّاسَ حُبّاً و شِعراً ..
المُجتَبَى ..
أحمد المُجتَبَى .. ذلك الأسمر الحنطيّ ، الرّصينُ كقصائدِهِ ، الهادئ كقطعةٍ من سكون الأصيل ، يُنشِدُنا بحُسنِهِ و حُزنِهِ البَهيّ تغريبة ” أبن زُريق البغدادي” :
لا تَعـــذليهِ فــإنّ العـــــذلَ يُولِـعُهُ ** قد قُلتِ حَقّاً ولــكن ليس يسمَــعُهُ
جاوزتِ في نُصحِهِ حَدّاً أضَرّ بِهِ ** من حيثُ قَدّرتِ أنّ النّصحَ ينفَعُهُ
فاستعملي الرّفقَ في تأنيبه ، بدَلاً ** من عنفه ، فهو مُضني القلب، مُوجَعُهُ
قد كان مضطلعاً بالخطب ، يحمِلُه ** فضُلّعت ، بخطوب البينِ ، أضلُعـه
ما آب من سفَرٍ ، إلا و أزعجهُ ** عزمٌ إلى سفرٍ ، بالرُّغمِ يُزمعـه
كأنَّما هو في حلّ و مرتحـلٍ ** موكَّل بفضاء الله ، يذرعــــه
ويصل الحزن ذروَتَهُ و روعتَهُ حينما يصل المُجتبى بقراءته البارعة إلى الأبيات التالية من قصيدة بن زُريق :
أستودِعُ الله ، في بغداد ، لي قمـرا ** بالكَرخِ ، من فلَكِ الأزرارِ ، مطلعُه
ودّعته ، و بودّي لو يُوَدّعنـــــي ** صفوُ الحياة و إنّي لا أُودّعــــــــــــــه
وكم تشفّع بي أن لا أفارقــــــه ** و للضّرورات حالٌ لا تُشَفّعُــــــــــهُ
وكم تشبَّثَ بي ، يومَ الرّحيل ضُـحى ** و أدمُعي مستهلَّات ، و أدمعـه
لا أكذِب الله ، ثوبُ العُذرِ منخــــرقٌ ** منّي بفرقته ، لكن أرقّعــــــــه

ثمّ يتكلّم الحجّار ..
محمّد الحجّار .. القادِمُ من مدينةِ إبي العلاء ، تشرّبَ المعرّي و شِعرَه ، وقف أمامَ قبرهِ و ناجاه ، أوصاهُ المَعرّي فحفِظ الوصيّة …
وبعد أن يُنشدنا بعضاً من خُماسيّات الشّعر العربي و يُحدّثُنا عن زياراتِهِ للمعرّي و حديثهِ معه ، وهو المسكونُ بعروبتهِ الجريحةِ ، يقولُ مُتَنهّداً :
ويح العُرُوبة كان الشّرقُ مسرَحَها
فأصبَحَتْ تتوارى في زواياهُ
تَمُرّ الأيام ، وأغادِرُ شمالاً ، ويغادِر المُجتبى لأرضِ النّيل طلباً للعلم ، ويبقى الحجّارُ في سبها ، تتقطّع بيننا السّبُل والأخبار عدّة أشهر ، لأجد ذات يوم رسالة نصّية في هاتفي من مصر تقول :
أين الأحبّةُ لا عينٌ ولا أثرُ ** لم يأتِنا أبداً من نحوهم خبَرُ
طِرتُ فَرَحاً ببيت المُجتبى فرددتُ عليه من فوري بهذا البيت :
الليلُ يشكو سُهادَ العينِ مذ رَحَلوا ** و القلبُ مِن شِدّةِ الأشواقِ يَعتَصِرُ
ومنذ تلك اللحظة أصبحنا “نتراشق” بأبيات الشعر تناوباً فيما بيننا ، دون أن ندري أننا اشتركنا في كتابة أكثر من ثلاث قصائد كاملة ، للأسف ضاع مُعظمها ولم أوّثقه ، وحتى لا أفسد على القارئ مُتعته سأكتفي بوضع حرف (م) أمام الأبيات التي كتبها أحمد المُجتبى ، و حرف (ع) أمام ما كتبتُ من أبيات .. على أن أتابع ما تبقّى من قصائد في عددٍ قادمٍ بإذن الله .
القصيدة الأولى :
م/ أين الأحِبّــةُ لا عيــــنٌ ولا أثَـــرُ ** لم يأتـــِنا أبـــــداً من نحوهم خَبَرُ
ع/ الليلُ يشكو سُهادَ العينِ مُذ رحلوا ** والقلبُ من شِدّةِ الأشواقِ يعتَصِرُ
م/ نفسي تـتوقُ إلى الأحبــابِ هائمةٌ ** ماذا أقولُ و نارُ الشّوقِ تســــتعِرُ
ع/ يا ويح قلبي هنا كانت مساكنهــم ** عبيرُ ذكراهمُ مازال ينتشـرُ
م/ ما في الحياةِ كمثل الحب يجمعنا ** إنَّ الحياةَ مع الأحباب تزدهــرُ
م/ أصبّر النّفسَ وهي غير صابـرةٍ ** وأمنع الدّمع أن يجري فينهمــرُ
ع/ و أحشدُ العزمَ راياتٍ و ألويـــةً ** فيهزمُ الشّوقُ ما أبني و ينتصـرُ
م/ أحبّة الرّوح أضناني تذكرهــــم ** متى اللّقاء فيمضي الهمُّ و الكـدرُ
ع/ لله درّ صِحابٍ طاب مجلسهــــم سِــحرٌ بيـــــانهُم ألفاظهــــم دُرَرُ
م/ نعم الرّفاقُ رفاقاً قلَّ مثَلهــــم ** قلبي لهم مسكنٌ و السّمعُ و البصـرُ
ع/المجتبي يجتبي شعراً فيُمتِعُنـــا ** والحرفُ يبني به الحجّار لا الحجـرُ
م/نفسي تحنُّ إلى الأحباب ما فتئتأين الألىٰ خالطوا الوجدانَ و انصهروا

القصيدةُ الثانية :
م- يهفوا الفؤادُ إلى الأحبّةِ مُغرمــــــا *** لو كان يمكنه الكلامُ تكلّمـــــــــا
م- أو كان يملك أن يطير إليهــــــــــمُ *** لرأيته يعلوا السّحاب محومـــــا
ع- يقتاتُ بالذّكرى و ينعش روحـــــه *** زمنٌ تولّىٰ بالوصال منَعّمــــــــا
م- ذكراكم منعت جفوني نومهــــــــا *** من لي بعهدٍ قد مضىٰ و تصرّما
م- أهديك من مِصرَ الغداة تحيّـــــــةً *** و رسولَ شوقٍ بالمودّة مُفعمـــــا
م- إنّي إذا هفتِ النّفوسُ لشخصكـــم *** زار الخيالُ و طيفكم قد خيّمــــــا
م- يا صاحب الذّوق الرّفيع تحيّـــــةً *** مُدَّ الجُسور قوافياً فلعلّمـــــــــــــا
م- يجد المسافر في مقالك سلــــــوةً *** تُنسي الهمومَ و تستحث المعجمــا
م- فيسيل نهرٌ بالقوافـــــــــي مترعٌ *** يروي نفوساً أوشكت أن تُهدمـــــا
م- مازلتُ مُنتظراً هلال أحبَّتــــــي *** سأظلُّ أرقبُ طيفهم لن أسأمــــــــا
ع- أتعبتني بالحبّ .. بل أخجلتنـــي *** و احسرتا عِقدُ القريض تصرّمــــا
ع- من أين لي بالشّعر يُنجِدُ كبوتـي *** و بناتُ أفكاري حيارىٰ لُوّمـــــــــا
ع- و لئن سقاني قربَكم شهد اللقــــا *** فاليوم جرعني البُعادُ العلقمــــــــــا

فسلامٌ على المجتبى ، وسلامٌ على الحجّار
إلى اللقاء..

________________________

نشر بموقع صحيفة فسانيا.

مقالات ذات علاقة

خطرها على بعض ذكريات الليبيين

المشرف العام

فنادق ودكاكين طرابلس بيوت للفن والثقافة (1)

المشرف العام

قصيدة من وحي سوسة

المشرف العام

اترك تعليق