طيوب البراح

أغنية مراد القطعاني

صهيب السليماني

The Post War Dreams 2020 Adnan Meatek 32 x 41 cm


يتطلب الأمر حظا أكثر من إرادة لنستطيع قياس طولنا بالآخرين، فأغلب الوقت أعيننا تنظر إلى داخلنا مهما حاولنا النظر إلى الخارج..

يتطلب الأمر أيضا قربا، ليستطيع المرء أخيرا أن يرى مرآةً داخل عيون شخص آخر، وعندما كنت أرى نفسي في عينيها لم أر نفسي يوما كشخص سيئ، ولكن الأمر كان نسبيا أليس كذلك؟ فما هو إصبع أمام نمله، جبل أمام إنسان، كوكب أمام جبل، وماهو الكوكب بالنسبة للشمس، وماهي الشمس بالنسبة للمجرة، وماهو الكون؟ بضع مجرات تدور داخل أفلاك، قد تكون هذه الأفلاك مدارات حول نواة لذرة سيليكا، بجوار الآلاف من ذرات أخرى داخل حبة رمل، وحبة الرمل قد تكون جزئا واحدا من صحراء لا نهائية، كان الأمر نسبيا أليس كذلك؟ أن تقيس طولك مع شخص آخر؟

 لم أر نفسي يوما ما كشخص سئ، ولكن الطيبة التي حملها قلبها، حمامات بيضاء في عش دافئ، جعلني صغيرا جداً بالنسبة إليها، كنت فتى متواضعا بصخرة حملها على ظهره، وكانت هي كجبل أمامي، تركتني أتسلقها كل يوم درجة أعلى لأوازي طيبتها، وكل يوم كنت شخصا أفضل بمقدار قليل، وكان هذا كافيا لأن يفتح بابا يدخل الهواء داخل قلبي، ويجعلني أحس أن الحياة موجودة بين تجاعيد يدي..

أتينا للدنيا بطفلين قبل أن تهرب، وتتدحرج الصخرة بي نحو القاع، ولكنني لم أنس يوما مارأيته عندما كنت على القمة..

مضى الوقت سريعا حين كبر أبنائي، فكل تلك السنين التي وسمتها الحفاضات وخافضات الحرارة تبدو في ذهني كأيام الآن، كنت أقضي وقتا ممتعا، كنت لا أزال أحمل الصخرة للأعلى بطريقة ما.

وعندما تدحرجت بي للقاع هذه المرة، كانت أثقل من أي وقت مضى، وكانت يداي أوهن من عصي مكرونة،

بين كل حين وآخر أسمع قصتاً عن قابيل وهابيل في صوب من أنحاء المدينة، فالوقت كان كعجلة تدور وتعود من جديد، وتطفو جينات الآباء على سطح السليل بين كل لفة وأخرى، ولكن طيلة سماعي لهذه القصص لم يخطر في بالي في يوم من الأيام أنني سأكون أنا آدم.

وهذا كان خطأي، أجل أنا مذنب، هناك مدارس لتعليم قيادة السيارات ولكن ليس هناك مدارس لتعليم قيادة الأسر، كنت طفلا ذات يوم، واستيقظت في الصباح التالي لأجد نفسي أباً لطفلين، عادة أنسى ذلك في أولى لحظات النهار، ووعيي لازال يتكاسل من داخل نطاق الأحلام، متحمسا لما قد تأتي به الحياة في هذا اليوم، لتخطفني بعد ذلك الواجبات التي يجب أن أفعلها وتنخفض جفوني لتطفو على البركة المحبوسة داخل عيني، بينما ترفرف المضخة التي بداخل صدري كورقة خريفية تهزها الرياح.

كانا طفلين في يوم ما ، وكبرا ليصبحا مجموعة دمامل على وجه الأرض، كانوا يشبهونني أكثر من أمهم..

منذ خشونة أظفارهم لم يطق أحدهما الآخر، وكان بيتي ساحة حرب مستمرة، ولم أكن أعلم ماذا أفعل، فكرت طويلا وجديا في الهروب بنفسي بينما لازلت شابا.

كان لدي ابنان، أحدهما اسمه خميس والثاني اسمه جمعه، يستيقظ جمعه في الصباح ويستيقظ خميس في الظهيرة، كانا تجربة مضحكة لمعرفة إن كانت تصرفات الإنسان نتاجاً لجيناته أم لمحيطه، إن كنت تريد أن تعرف الإجابة، فإن جمعه كان يسبق خميس بسنة، كان يدرس في الصباح، و لكثرة أعداد الطلاب بالمدارس العامة تم تقسيم الطلاب لقسمين في السنة التالية، حيث بدأ جمعة يدرس في العشية.

صادق جمعه طلاب خلوة المسجد في العشية وتعلم الخط واللغة والكتابة، بينما كون خميس صداقات في الصباح مع أطفال امتطوا الدراجات لاستكشاف المناطق المجاورة، ولم يكن هنالك أي فارق يذكر بينهما، فكل الطرق كانت متوازنة جيدا بين الخير والشر.

إلا أن جمعة كان على دراية جيدة بمكانه على الخريطة وكان متواضعا كشجرة زيتون، بينما ولد كبرياء داخل خميس ورأى نفسه كطير في السماء، يرى كل شيئ.

ولازالت الأمور متساوية باتزان معادلة حسابية، إلى أن مضت فترة المراهقة، وهنا كان ذنبي الذي لايغتفر، فكانت هنالك مدارس لتعليم قيادة السيارات، متى تمضي ومتى تتوقف، ولكن لم يكن هنالك مدارس لتعليمك الأبوة، متى تمسك ومتى تترك، ولم يكن هذا خطإي إلى الآن فأنا نفسي لست إلا نتاج محيطي، إلا أنني كنت لا أزال أتبع ظل المرأة التي تركتني وحيدا في الغابة، وظللت أراقب صورتها تتقلب في ذهني آلاف المرات، كل مرة تتحور الصورة قليلا لتشبه مخيلتي أكثر مما تشبهه صورتها، وكان ذنبي هو الكسل، لقنتني الصورة التي تخيلتها الطريقة التي يجب أن نعيش بها ، وكان مكتوبا بين سطورها أن تترك الأمور تسير بمشيئتها وأن لا تتدخل في نمو الطبيعه، فالنهر يعرف طريقه إلى المصب، والوردة تعرف طريقها لتصير إلى ثمرة، وهنا كان خطإي الفادح، أنني تكاسلت، المسك والترك تحولا لترك فقط ، متجاهلا أن الحياة كانت كائنا حيا يحتاج المساهمة، كما يحتاج الورد للشمس، وكما تحتاج المياه للملح.

وما أتى بعدها كان شوكا وفيضانات، وتحول المنزل إلى ساحة حرب بشكليها الباردة والساخنة، وتحولت كفة الميزان الثابتة إلى مروحة تموج بها الرياح، تعصف بها أحشائي كل مساء، إلى أن رحل كلاهما ولم أعد أسمع حتى شجارهما الذي أشتاق إليه وأبدله في أي لحظة بهذا الصمت، وعندما هبط الليل، واختفت حرارة الشمس من الهواء، كنت أنادي على صورتها لتخبرني ماذا أفعل ولكنها لم تكن هناك، وكنت أبكي قصائدا كل مساء لقلة حولي،إلى أن جفت ينابيع دموعي، واستيقظت ذات يوم أعمى.

أخبرني الأطباء أن ستارة الرؤية قد انسلخت من مكانها، ومدتني زيارتي للمشفى بكثير من الراحة، فكما تعلم حمل الجماعة ريش، فلم أكن وحدي الأعمى هنالك، بل كان هؤلاء الأطباء أكثر عمى ، يصفون أحداث وقوع حدث كأنه اكتشاف، كأن تنادي سحابة بأنها بيضاء، أو عشبا بأنه أخضر، قالو لي أن ستارة الرؤيا قد انسلخت، ولكن لماذا تعتقد كذلك؟ ألا ترى أنني فقط حزين؟.

ولكنني لم أكن أعمى على الإطلاق حينها، ألم أكن كذالك؟ فعندما توقفت عن الرؤية، توقفت كل الملهيات التي حولي عن جذب انتباهي،واعتزلت الخارج، وكان بعمري كل الوقت لكي أنظر داخلي، وتبدلت الرؤية بالإبصار، ومن ثم أتى الإدراك، وزرت أخيرا ذاك المكان الذي كان بابه يفتح خارج أعلى مكان تصله مخيلتي، وعندما فتحت أخيرا ذالك الباب، ووصلت لذلك المكان الذي تبدل فيه الأبيض بالأسود والأسود بالأبيض وتلون كل مابينهما بالنفسجي، ووجدت السؤال، أما الإجابة كانت طول الوقت في جيب ذهني الخلفي، وأدركت أخيرا ما كان يجب علي أن أفعل، وتذكرت صخرتي وحملتها على كتفي من أجل دفعة أخيرة،

كان كل شيئ نسبيا، وكانت هي جبلا، وكنت أنا فتى متواضع يحمل صخرتا على ظهره.

 استيقظت ذاك اليوم خارج هذا الجسد، كنت ميتا في داري ليومين ولم يزرني أحد، وعندما وصلت أخباري أخيرا لخميس وجمعه، هذبهما الفقد جيدا، ونزع عنهما الكبرياء اللذي خطفهما، والتمست قلوبهما وحدة في الحزن، وانجذب الباقي تدريجيا،

وإن كنت فخورا في يوم ما عن شيء فعلته بوقتي في هذه الحياة، هو أنني لم أجزع عندما كان علي أن أحمل هذه الصخرة، وعندما حملتها لآخر مرة ووصلت القمة، ولحقت أخيرا بظلها، سألتها السؤال الذي سألته إياها في مخيلتي ألف مرة، هل صرت جيدا؟

مقالات ذات علاقة

العروبة العمياء

المشرف العام

ارحل

المشرف العام

تحية الى بنغازي

المشرف العام

اترك تعليق