رواية من أنت أيها الملاك.
النقد

أطروحات فلسفية في رواية (من أنت أيها الملاك) للروائي ابراهيم الكوني

خليل الشيخة‏

رواية من أنت أيها الملاك.
رواية من أنت أيها الملاك.

الروائي الليبي ابراهيم الكوني غني عن التعريف ، فقد وصلت مؤلفاته الى السبعين في الأدب والفكر وظهرت أعماله الأولى واضحة في الغايات الانسانية النبيلة ومرتبطة بأخلاقيات حضارية سامية . إضافة لذلك تأطرت أعماله بالعمق الفلسفي وكشفت عن خبايا النفس البشرية في نزواتها وميولها ، حيثشكل أسلوبه المميز إرساء لمدرسة أدبية خاصة به ، لتميزه في تقنيات السرد والحوار والحبكة عن باقي الروائيين العرب وشكلت تجربته ارهاصات لمد جديد في الرواية العربية ستؤثر حتماً في أجيال قادمة ، وهي بلا شك بصمة لا تزول بعامل الزمن في حقول الآداب العالمية .‏

ملخص الرواية:‏

تبدأ الرواية بتقديم شهادة الولادة لموظف السجل المدني لتسجيل الوليد الجديد ، لكن يفاجأ الموظف بغرابة الاسم « يوجرتن » يشكل هذا أرضية لمأساة الأب وبطل الرواية « مسّي » حتى النهاية في الكفاح من أجل الاعتراف باسم ابنه الوحيد . يأتي الأب كل يوم الى قاعة الانتظار بغية إنهاء المهمة فيتعرف على شخص اسمه « موسى » أتى أيضاً من أجل تسجيل ابنته « مريم » وواجه المشاكل نفسها برفض دائرة السجل بالاعتراف بهذه الأسماء ( الغربية غير المنزلة ) يكبر الوليد ويتقدم الى المدرسة فيرفض كونه لا يحمل شهادة ولادة . تزداد الأحزان بموت الأم لحزنها على ابنها ، ويخسر الأب اسمه لغرابته وعدم تماشيه مع اللائحة الموجودة ، ينزوي الابن بنفسه في الغرفة لا يغادرها إلا للضروريات فيما بعد يحصل شجار في الحي بين « يوجرتن » المدافع عن حقه في الوطن كالآخرين وبين شاب يتهمه « بالغريب أو المتسلل » يُعتقل الابن في قسم الشرطة لعدم توفر اثبات لهويته .‏

يقترح صديقه موسى عليه أن يعمل مع شخص يمتلك شركة للتنقيب عن النفط مقابل الإفراج عن ابنه وتصحيح وضعه في السجل المدني ، بعد الإفراج عن الابن يكتشف من شخص ما ، أن موسى قد خدعه ليصحح اسم ابنته . أما الابن وبعد فشل الاعتراف بالاسم من قبل السجل يختار اسماً آخراً هو ( جرئ ) ليعيد ذاته وانتماءه الى مجتمع المدينة التي يعيش فيه . يتتالى الصدام مع الابن الذي يُحمل المسؤولية للأب في ظلمه بإعطائه اسماً غريباً مما نتج عنه كل هذه المآسي . يكتشف الأب أن الابن يعمل مع صاحب شركة النفط المخادع في تهريب الآثار من الصحراء ، فيزداد حنقه وتأخذ الأمور بالتسرب واحدة تلو الأخرى من قبل الأب ليعلم من جاره أن ابنه قرر مع مجموعة من الشبان نسف بناء السجل المدني انتقاماً .‏

في النهاية يخرج البطل ( مسّي ) ويتبعه الابن وكأنهما « متفقان في الموعد » الى صحراء مفتوحة وتحصل التضحية أمام غروب الشمس وفي أحضان ربة الصحراء ( تانيت ) التي شكلت في العقلية القديمة موجودات مقدسة .‏

الشخصيات وهلامية المكان والزمان‏

تنطلق الرواية من شخصية البطل ( مسّي ) داخل السجل المدني دون تحديد جغرافي لصبغة المكان ويسير الزمن بشكل ذاتي ليكون إطاراً موضوعياً لتحفيز الحدث وبناء الحبكة . هنا تتطور الشخصيات ضمن أطر الأحداث أكثر من إشكاليات الزمن ، بمعنى آخر ، لا يشكل عامل الزمن الموضوعي الانتقال من طور الى آخر بل الزمن البيولوجي هو اللاعب الأكبر في تسيير الأحداث ، مثل نمو الطفل الى مرحلة دخوله المدرسة ومروره بطور المراهقة ، الذي كرّس الأزمة بالانتماء الى الأب أو الى البيئة المحيطة ( المدينة )‏

ثمة شخصيات هامة تطور الحدث وتجره الى النهاية مثل البطل ( مسّي ) والابن ( يوجرتن ) ، وشخصيات ثانوية تؤثر في تسيير الشخصية الأساسية أو في نموها ومواقفها مثل (موسى ) الرجل العادي الذي يلتقي به ( مسّي ) في دائرة السجل أو صاحب الحانوت في الحي الذي يقطنه أو نزيه الفاضل الموظف الذي استلم منه شهادة الميلاد وطرد بعد ذلك بسبب إعطائه وصل استلام والباي الذي يخرج الابن من المعتقل ويتخفى تحت اسم شركة نفطية .‏

الأطر الفلسفية للسرد والحوار‏

تميز الكوني بأسلوب سرد جذاب متنوع المعالم ، ما إن يبدأ القارئ الرواية حتى يشعر بأن قوى في داخلها تشده لنهايتها ، والكاتب يعمل على عدة مستويات في سرده : فهو أحياناً يتماهى مع شخصية البطل حتى يغدو هو البطل ذاته في ردود أفعاله ومنظومة أخلاقياته ، خاصة عندما وقف البطل أمام لجنة السجل الذين « تضاحكوا كالرعاع في حانة قبل أن يخاطبه أحدهم بلسان عصابة فرغت من حياكة مكيدة « ص22 » أو في تصويره لبعض الموظفين في المبنى « بدأ يستعرض وجوه الناس الذين عرفهم وكانوا شديدي الشبّه بالحيوانات أو الزواحف أو حتى الهوام والحشرات ص 67 . ثم ينفصل عن البطل دون أن يكون حيادياً ، كما في وصف الرجل الذي سلمه قرار المصادرة : « هناك استقبله مخلوق طائش في مقتبل العمر ، ليزف إليه نبأ القرار القاضي بمصادرة وثيقة اثبات الهوية رسمياً « ص701 » . أو في تصوير الباي عند محاولة اغتياله : « خمّن وجود باب خلفي يستطيع الوغد أن يستعمله على عادة المديرين وأكابر الدوائر » ( ص532 ) . والمستوى الثالث هو أخذه دور الراوي المتتبع لحيثيات المشاهد دون التدخل بإعطاء رأيه في الأحداث : « بعد العودة من الرحلة بأيام ذهب ( مسّي ) لزيارة وكيل التنقيب عن النفط الملقب باسم الباي ( ص291 ) .‏

يتخلل السرد رؤية فلسفية سيسيولوجية تصل بالكاتب الى حد الاتهام في وصف البنى الحضارية ومستويات أخلاقياتها أو سلوكياتها كما ورد في تحليله السردي لمجتمع العمران : « هذا المسلك المجبول بروح العبودية . هو شهادة البراءة التي تثبت الانتماء الى مجتمع العمران الذي يتخذ من التنكيل بالأبرياء مهنة ، كما يملي ناموس أي مجتمع عبودي « ص 821 » .‏

أما الحوار فقد حفز على تتالي الأحداث ونموها والتعرف على الشخصيات المختلفة في الرواية لكنه أتى بشكل اسقاطي ليخدم رؤية الكاتب أكثر مما يخدم فهم طبيعة الشخصية وحدودها الثقافية فالشخصيات في الغالب حكيمة متفلسفة وهي أشبه بشخصيات نيتشه في ( هكذا تكلم زاردشت ) ، فهي تسير الواقع وتحلله بطريقة ذكية عميقة انظر الى هذا الحوار بين الساعي ومسّي يقول الساعي : « ولدت ولكني لم ألد ، ولا أنوي أن ألد الى الأبد … لأن يقيني في الأبناء لا يكمن في فناء الآباء فحسب ولكن لأني لا أريد أن أضيف شقوة كبرى الى شقوة صغرى … هذه الذرية هي شقوتنا الكبرى ( ص33 ) أو حواره مع المحامي ( الداهية ) حين يقول له : لا يجب أن ننسى أن للحقيقة طبيعة متحولة … ما آمن به أسلافنا القدماء كحقيقة مطلقة ، انقلبت مع الأيام بهتاناً وما نؤمن به نحن اليوم سوف يثير سخرية الأخلاف بعد ألف عام ( ص021 ) ، وحتى ( مسّي ) الانسان الذي أتى من الصحراء لديه حكمة في كل ما يقول ويروي خاصة عندما كان يحادث ابنه في الصحراء عن درجة أهمية الاسم بالنسبة للفرد أو رواية أصل الخلاف بين ثقافة الصحراء وثقافة القرية : « أن ينتحل الانسان لنفسه اسمه على سبيل الإعارة خطيئة حقيقية تستوجب القصاص حقاً … ثم ينتقل الى رواية أخرى – تقربت قبيلة الاستقرار بنصيب الأرض ، في حين تقربت قبيلة الترحال بنصيب الأنعام .. رفضت تقدمه الزروع ، فنشب العداء بين القبيلتين منذ ذلك اليوم ( ص 851 -951 ) .‏

وراء الرمز الروائي‏

يحتضن أدب الكوني كمّاً هائلاً من الرمزية في الأسماء والحوار والحكايات المسرودة فقد بدأ بعنونة روايته على شكل سؤال مطروح ، بالطبع دون إجابة شافية حتى النهاية ، لكن العنوان يأتي بصيغة شك في الشخصيات بضمير ( المخاطب ) ، ثم إجابة ملغومة في السؤال نفسه غير واضحة عندما يطلق عليه اسم « الملاك » الملاك هذا ، هو الذي كان الكوني دائب السعي وراءه ليقدمه للقارئ على أنه جوهر الأشياء والعقل في بداياته وفطرته دون تلوثه بنفاق المدينة وأخلاقياتها ، هو ابن الصحراء والبادية التي شكّلت الارهاصات الأولى للحضارة البشرية ، ويتعدى الطرح هذه الرواية ليشكل هاجساً دائماً يتكرر في معظم رواياته ، فحتى اللعب في الأسماء لها أبعادها الرمزية عند الكوني ، فهو يطلق على صديق البطل موسى اسم القرين ، وعلى رئيس السجل المدني الكاهن ، والبناء اسم ( المحفل ) والابن ( ولي العهد ) واستناداً لكل هذا فهو قد اختزل الرواية ومحتواها في مقولة لبلوتارك : « إنه لا يمتلك بيتاً ، بل يتباهى بأنه لا يمتلك بيتاً ، يسرح في البرية بالحرية ذاتها التي تسرح بها الشمس وتختلط هنا الفلسفة بالمثيولوجية لتشكل بوتقة يصهر فيها الكاتب خبرته ومعارفه وأفكاره دون خدش لغته أو اقحامها بالمباشر أو الخطاب التقريري . وتكرار الثالوث في معظم رواياته ( الصحراء – الرّتم – الودّان ) لهو أكبر دليل على تشبثه بالرمز واسقاطه على ابن الصحراء الذي كتب وظل أميناً له في أدبه الرائع ورواياته العالمية ذات القامة السامقة.

______________________________

٭ من أنت أيها الملاك – رواية ابراهيم الكوني‏ – – دار الصدى 2009.

نشر بموقع العروبة.

مقالات ذات علاقة

الخسارات التي لا تنتهي في ‘فرسان الأحلام القتيلة’ لإبراهيم الكوني

المشرف العام

هكذا صرخت حواء القمودي

المشرف العام

القصيدة الأكثر نقاءً

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق