قصة

أصفـعـكم وأمــــضي..!

الفجر الذي ولد هذا اليوم لم يمنحني سوى العفن, أو هذا ما جعلني أستيقظ من نوم عميق لم يستغرق سوى ساعتين وربما أقل.. النتانة والرائحة الكريهة التي ملأت الحجرة أخرجتني من الفراش الذي قد يكون نام عليه أحد الإيطاليين أو ربما كان المثوى الأخير لأحد المتألمين. قفزت متوجهاًَ للباب الذي فقد في أحد معاركه زجاج نافذته الصغيرة المستطيلة في أعلاه, فاستبدلت بقطعة من الورق المقوى لتحجب الضوء والهواء البارد والأعين المتلصصة, ورابته قليلاً طلباً لهواء جديد, فلم يقابلني سوى رائحة المطهر الذي سكبته العاملة على الأرضية استعداداً لصباح جديد من القتال في شوارع المدينة, التفت ورائي لأراهم يغطون في نوم يصعب وصفه, فالحجرة التي منحت للأطباء المناوبين بالكاد تسع لأربعة أسرة حديدية باردة, أما الأغطية فقبل مدة ليست بالقليلة لم يكن هناك شيء متوفر منها ليقي المرء لسعة البرد في فجر الشتاء القارس, فكان أحدنا يستعين بمعطفه أو يلتحف بما يجده أمامه من بقايا المعاطف الطبية, إلى أن تم توفير أربع بطاطين أسبانية جعلت للنوم لذة مختلفة.

خرجت إلى الممر فاركاً عينيّ طارداً ما تبقى من غبش التعب, ممرراً أصابعي بين خصلات شعري, محاولاً أن يبدو أقل فوضى.. اتجهت للحمام, المياه التي تزحف منه إلى الممر تجبرك على السير بحذر لئلا تبتل أو تنزلق, أحد أحواض الغسيل فقد اتصاله بأنبوب التصريف وأنساب الماء بحرية على الأرض الرمادية التي كانت يوماً ما بيضاء.. في آخر الحمام ثلاث أبواب تحوي المراحيض, اتجهت إلى آخرها, كان علي أن أدخل أصابعي بين حافة الباب والحائط كي أفتحه, لأنه فقد يد رتاجه, ولكي أحكم غلقه ورائي كان الأوائل قد أمدوه بخيط بلاستيكي لسحبه ولتدعو الله أن لا يفتح أحد الباب وأنت بالداخل.. انساب السائل داكناً وانتهى الأمر بالاستعانة ببعض الماء من نفس الحوض الذي ترك تحته دلو تعلوه الشوائب السوداء لالتقاط الماء المتساقط, خرجت, ورائي خطواتي تطبع على البلاط.

دخلت حجرة استراحة الأطباء لأرى الزملاء الأحدث تخرجاً ومنهم الأقدم, يستعينون بالكراسي الصالونية لمد أجسادهم والنوم, منهم من وضع كرسيين متقابلين ونام في وضع جنيني, ومنهم من كان نصفه على الكرسي والباقي يستند على الطاولة التي امتلأت بالأكواب البلاستيكية الممتلئة ببقايا القهوة والشاي وأعقاب السجائر, والتي تفحم جزء منها بصورة تجعلك تتساءل ما الذي جنته لكي تصاب بالاحتراق أو متى وأين وكيف احترقت.. بعد أن تكون قد اشتركت في معركة مع الباب لمحاولة إغلاقه دون جدوى تلتفت يميناً ليقابلك التلفاز, والذي لم يتوقف عن العمل أربع وعشرون ساعة في اليوم, سبعة أيام بالأسبوع, حتى أن صورته بهتت وبات من الصعب تمييز ملامح الأشياء على شاشته.. أمامك تقابلك النوافذ الطويلة, اتجهت نحوها لأفتحها واستنشق عبق نهار جديد, فلم يقابلني سوى صوت عربة الإسعاف ورائحة دخان العوادم, والقضبان الحديدية الصدئة.

– وماذا حدث بعد ذلك?

تساءلت وأنا أتناول كوب الشاي من على الطاولة المعاقة.. أجاب (محمد) بتجهم:

– وما الذي سيحدث من وجهة نظرك.. قلت له يا عمي الحاج هذا لا يجوز, يجب أن تخرج من حجرة الكشف.. ألا ترى أنه لا يوجد مكان لكي نعمل على إسعاف المصابين.. تصور ماذا قال لي?!

– وماذا قال?.. ازدردت بعض من السائل العسلي في فمي, لأجده بمرارة السكر المحترق, تباً هذا الشاي لا يصلح للاستعمال الآدمي..

– أتدري ماذا قال?!. قال يا ولدي ترفق بعمك الحاج, وبعدين مهنتكم مهنة إنسانية.. وما أن قال هذه العبارة حتى قفزت ملايين العفاريت في وجهي, تركت حجرة الكشف وأنا أبربر بكلام لا أريد أن أعيده.

– بل قله أرجوك..

– قلت له يا حاج.. أتدري أنني أعمل في هذا المكان منذ سنتين بدون تعيين وأن مكافأة المناوبات في قسم الإسعاف لا تنزل إلا إذا دحّى الديك, ثم إن مهنة الطب ليست المهنة الإنسانية الوحيدة, فإن مهنة حفار القبور هي من أهم المهن الإنسانية..!!!

– حفار قبور.. رائع, وماذا بعد..

– وماذا بعد هذا.. لاشيء ها أنا أجلس منذ نصف ساعة أتميز غيظاً.

– وما الحل في وجهة نظرك ?

– والله لم أعد أدري..!

في تلك اللحظة فتح الباب بصوته الخشن ليدلف الممرض إلى الحجرة حاملاً ورقة كشف بيضاء ليمدها لي.. قرأت الخط الإنجليزي المكتوب بسرعة, لأتبين أنه خطي..

– ماذا يريد هذا المريض, هذه ورقة محضر مشاجرة, وقد كشفت عليه ولا يوجد في جسده أدنى خدش أو حتى رضوض لتجعل عائلته تقيم مأتماً على رجولته التي ضاعت في الشجار..

رد الممرض:

– دكتور (علي) إنه يريد راحة طبية..

– قل له إن حالته الصحية لا تتطلب راحة طبية حتى لمدة ثانية واحدة..

– ولكنه قال أنه لكي يفتح محضر بالمشاجرة طلبت منه الشرطة أن يوقع الطبيب المعالج أن المريض يحتاج لراحة طبية لمدة…

– اذهب وقل له أنني لست محامياً أو قاضياً هنا.. أنا طبيب أقيّم حالته الصحية فقط وبناءً على ذلك أمنحه راحة طبية لا بناءً على حالته الاجتماعية أو خلافاته الصبيانية..

– حسناً..

خرج الممرض موصداً الباب, ليستلمني (محمد):

– ألم أقل لك.. ما أن يروك هنا حتى يحاولوا أن يستغلوك بأي طريقة.. يا راجل اللي يجي يهنتش فيك..

– تعودنا على ذلك يا صاحبي..

فتح الباب مرة أخرى.. متوقعاً أن يكون صاحب الورقة نفسه قد عاد ليناقش الموضوع بطريقته الخاصة.. ليظهر صديقنا (عبد السلام) ببدلته الأنيقة ماسكاً في يد هاتفه النقال وفي الأخرى شك المفاتيح.. وقفنا لمصافحته فقد مرّ وقت لم نره فيه..

– كيف الحال يا عبد السلام.

– في نعمة والحمد لله.. وأنت يا علي كيف هي الأحوال?.

– لا بأس.. لا بأس..

التفت إلى محمد وساءله..

– وأنت يا محمد كيف هي الأمور معك..

– زي الزفت والحمد لله..!

– ممتاز.. اليوم تبدو أكثر تفاؤلاً هذا تطور ملحوظ.. رد محمد:

– وكيف حال الداوو نوبيرا?

ضحك “عبد السلام” وعدل من جلسته على الكرسي مبدلاً من وضع رجليه على بعضهما ملوحاً بسلسلة المفاتيح التي تحمل علامة لماركة السيارة المميزة..

– أما نوبيرا يا رجل, من أسبوع طلعت الجولف التي حجزتها من النقابة..

أردفت قائلاً:

– إذن طلعت الجولف أخيراً.

– نعم والحمد لله..

– وكيف هي أحوال العمل.. أعني الصيدلية..

– ممتازة, الآن أستعد لفتح صيدلية ثانية مع شريك كبير.. أما عن المستشفى فأنا أذهب بين الحين والآخر, أنت تدري فالصيدلية تأخذ كل وقتي.. البضاعة والتسعيرة وغيره.. والآن قاعد نجري…

– تجري على ماذا?

– نجري على البعثة قريباً سينزل أسمي في القائمة القادمة..

– وإلى أين.. بريطانيا?

– لا كندا.. بالطبع.. وأهو الواحد يتحرك من مكان إلى مكان ويا دوبك يلحق.. وأنتم ماذا فعلتم في العمل في الدراسة العليا, في السفر..

– لا شيء يا عبد السلام, ننتظر الذي لا يأتي ولا يأتي, أنت كما تعلم فالعديد من زملاءنا وأصدقاءنا قد سافروا للخارج, ومنهم من خرج بالحد الأدنى من المال ومنهم من جري على رأيك أنت على البعثة.

– سمعت أن عدد منهم يعمل هناك حتى يكملوا امتحانات المعادلة.

– نعم بعضهم في توزيع الجرائد صباحاً, ومنهم من وجدوا محلات الأكل السريع ليعملوا إما في تنظيف الصحون والأرضيات أو في تحضير الأكل..ومنهم..

قام “محمد” من مكانه في تلك اللحظة, بعد أن ظل طيلة هذه المدة صامتاً, وتوجه نحو الباب.

– إلى أين يا محمد..?

– اتركني في حالي, لقد انتفخ رأسي من كثرة هذا الحديث أريد أن أذهب علني أغفو بعض الوقت قبل معركة المساء..

رد “عبد السلام”:

– أرجو المعذرة دكتور محمد.. أرجو أن لا نكون قد أزعجنا سوداوية سيادتك..

– ظريف جداً يا عبد السلام كعادتك تتفنن دائماً في تعذيبنا..

فتح “محمد” الباب وتابعت و”عبد السلام” الحديث, ولكن قبل أن يغلق الباب عاد “محمد” مسرعاً بينما كانت جلبة في الممر وأصوات عربة نقل المرضى بعجلاتها المعاقة تقرقع في المكان.. والأقدام تتلاحق

– علي أسرع هناك حالة إنعاش.. هيا بنا..

أسرعت للخروج واللحاق بالحالة.. بينما كان “عبد السلام” يخرج من الحجرة ورائي ملوحاً بيده.. صائحاً:

– ربي يكون في عونكم.. نشوفكم قريباً.. مع السلامة..

لم أجد وقتاً للرد على تحيته فلقد أغلقت ورائي حجرة الإنعاش, لأرى “محمد” يسرع لوضع إبرة التغذية في أحد أوردة المصاب الذي بدا شاب تنز الدماء من وجهه وصدره, أصبحت الحجرة تعمل لإنقاذ من جاء متأخراً.. و”محمد” يصيح..

– ضع أنبوب التنفس, لا يوجد نبض, أعدو حقنة الأدرينالين..

– دكتور لا يوجد أدرينالين.. ردت الممرضة بارتباك

– كيف هذا.. اذهبي وأحضري من حجرة العناية..

رددت:

– سأذهب أنا بسرعة..

خرجت من حجرة الإنعاش يتبعني خط أخضر داكن مستقيم.. لا حياة فيه.. ورغبة عنيفة تنمو بداخلي, أن أصفع كل من أمامي..

19/12/2002

شمال غرب إنجلترا

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3931.. 28-1/03/2003

مقالات ذات علاقة

زينوبة

عزة المقهور

القطوس

عزة المقهور

أمُّــونــا

محمد إبراهيم الهاشمي

اترك تعليق