من أعمال التشكيلي الليبي علي المنتصر
قصة

أشدُّ قتامة من الليل


شارع طويل على امتداده ومن الجانبين أشجار جميلة بأوراق ملّونة زاهية. على أحد جانبي الشارع بيت كبير بطابقين. تحيط به أشجار تفصل بين حديقته وحدائق البيوت المحيطة والمجاورة…
غرفة النوم في الطابق العلوي. يبدأ صباح آخر من الصباحات المظلمة، الأشد قتامة من الليل. تلاوة قرآن بصوت منخفض، يشبه الهمس، تنبعث من المسجل. جسدي المريض المُنهك على السرير لا يقوى على الحركة. يحتويني الظلام الخوف والحزن ويلفّني. صوت الريح والمطر يجثم على صدري. يكثّف إحساسي بالألم والحزن والوحشة…

داخل الغرفة التي يكسوها السواد أجول بنظري متجنبة النظر إلى الساعة. على سطح الرف الكبير فوق مجموعة أدراج، صورتي داخل إطار فضي. شعري أسود، كثيف ينسدل على كتفي ويحيط بوجهي. عيناي تشعّان جمالا وبهجة وأملاً. ابتسامتي الواسعة، تسع الكون، وأقرب ما تكون إلى الضحك. لون أسناني كلون الرخام الجميل. إطار آخر لصورة ولَدَيّ. لا توجد صورة لإبني الأكبر. صورته في أحد شوارع لندن، بعينيه الواسعتين وابتسامته الخجولة، وهو يرتدي سترة زيتية، أخفيتها داخل واحد من كتبي لم أعد قادرة على رؤية حروفه، ووضعتها داخل الدرج. قطع مكياج مبعثرة مهملة. فرشاة شعري التي لم ألمسها من شهور، وقنينة عطري في أقصى الطرف…

يرن التليفون على الكومدينو.. بصعوبة بالغة أحرك يدي وألتقط السماعة. بنفَس متقطع وصوت واهن بالكاد يسمعه الطرف الآخر، أقول: ”مرحبا أنا قادمة“…
بصعوبة وبطء شديدين أتحرك. أحاول النزول من السرير. قدمي على الأرضية المفروشة. لون أظافري بنفسجي. أظافر آيلة للسقوط. عندما أقف، ألمح عظاماً في المرآة. بشرة قاتمة، شاحبة، ليس فيها قطرة دم. رأس ملطّع ببقع من الشعر. وجهٌ ميت. شفاه بيضاء. لا رموش ولا حواجب. باهتة، حزينة. تنهمر من عينَيّ الدموع بلا توقف، حتى خُيّل إليّ أن مجرى الدموع سيترك أثره على وجهي، مثلما تركت الإبرة أثرها على ذراعي…
أحرك جسدي الواهن الضعيف وأنا لا أقوى على حمل قلبي. قلبي الذي أحاله الخوف والحزن إلى عبء ثقيل. بظهرٍ منحنٍ وخطوات مُنهكة ثقيلة كثقل قلبي، أجر خطاي، وأخرج من الغرفة وأنا أستند بكلتا يدي على جدار الممر، إلى أن أصل الباب الرئيسي للبيت…

أصل غرفة الانتظار قبل دخولي صالة الكيماوي. أقبع في ركن في أقصى الغرفة. لا أستطيع إخفاء دموعي ورجفة جسدي. تترك إحدى السيدات المريضات رفيقها وتتقدم باتجاهي. تسألني عن سبب بكائي؟ لا أجيب. تسألني إن كان برفقتي أحد. أنظر إليها ولا أجيب. تجلس بجانبي، تمسك بيدي وهي تنظر إليّ وتطلق لدموعها العِنان…
أعود إلى البيت محمولة. فجأة، بعد أن يتلاشى أثر المخدر، يصعقني… يصعقني ذلك الألم الجبّار الذي يبعث الحياة في عظامي من جديد. يصعقني ويصعقني ويصعقني. منه أستمد قوة هائلة جبّارة تجعلني أصرخ. أصرخ وأصرخ. صراخي يعلو ويعلو ويعلو. يخترق السماء ويهزها. أشعر بتلك الهزة في انتفاضة جسدي ورجفته الأخيرة قبل أن أفقد وعيي…

أفيق والمساء قد حل. والظلام الحالك خيّم. بصعوبة أتلمس طريقي في الظلام. أحبو على ركبتَيّ إلى أن أصل السرير. مرة أخرى ألقي بجسدي على السرير. أغفو وأصحو. أغفو وأصحو. تتراءى، تقترب مني وتحوم حولي وجوه مضيئة. أصواتُ، ضحكات، قهقهات، ترسم لوحات موسيقية راقصة تنير الظلام…
وجوه تبتعد وتبتعد وتبتعد. قهقهات، ضحكات، أصوات تتبعني وتتحول إلى همس: ”ماما.. ماما.. ماما“.. قبل أن أغفو وأفقد وعيي من جديد…

مقالات ذات علاقة

الباقي من زمن الإمتحان .. ساعة

خيرية فتحي عبدالجليل

“جورج” وأنا

عزة المقهور

هـمٌّ يـوميُّ

أحمد نصر

2 تعليقان

جميلة 15 أكتوبر, 2019 at 16:02

شكرا طيوب. اللوحة المرفقة مطابقة لنصي. إختياركم للوحة دقيق جدا جدا. تحياتي

رد
المشرف العام 16 أكتوبر, 2019 at 07:19

السيدة جميلة الميهوب..
التحية والشكر لك. شاكرين مرورك الكريم وكلماتك المشجعة.

رد

اترك تعليق