المقالة

أسئلة في العملية التعليمية

كنت قد اتفقت مع الأستاذة الرائعة مريم الأحرش من دار الزاوية للكتاب وبرعاية منها على قراءة هذه الورقة ومناقشتها أمام جمهور من طلبة ورجال تعليم بالزاوية إلا أن الظروف الراهنة لم تسمح، لذلك فضلت نشرها، وانتظار الظرف المناسب لتقديمها.
أسئلة في العملية التعليمية

يقول التاريخ أننا ذات يوم باشرنا في فتح كل النوافذ التي كانت مغلقة، ويقول التاريخ أيضا أننا بعد زمان عدنا وأعدنا النوافذ كل النوافذ إلى حالتها الأولى بل وأضفنا إليها أقفالا جدبدة، وليس علينا أن نحاسب إلا أنفسنا وبعقل مسئول كي نزيل بعدها ما انتشر على رداء السيدة الليبية من بقع غريبة عنه.
وبعد…
من التعليم نبدأ وإلى التعليم ننتهي…
العملية التعليمية بطبيعتها ليست جامدة بل هي متغيرة ومتحولة وهذا أمر نعرفه جميعا وهو يعني رفضها لأية أحكام أو رؤى جامدة مهما تكن دعاواها، ومن هنا نحن نقول بالأسئلة في العملية التعليمية لأنها السبيل الوحيد للمعرفة، لكن الأسئلة لا تمتلك جدواها إذا هي فقدت محاوراتها، ومن هنا ولأن الأسئلة متشعبة ومتراكمة فضلت الاقتراب منها باعتبارها قطاعات يمتلك كل قطاع منها أسئلته الخاصة ”مؤقتا”.
أبدأ بالسؤال الإجباري: أين نجد العقل التعليمي..؟
1- عند المتخصص.
2- عند المعلم.
3- عند التلميذ.
4- عند المؤسسة التعليمية.
5- عند المناهج.
6- عند المعمل.
7- عند الكتاب المدرسي.

هذا السؤال الإجباري هو المنتج لكل أسئلة القطاعات التعليمية، ومهما تنوعت واختلفت واتفقت أو تصادمت، لكنه مؤجل لغياب شرط وجوده “العقل الحر”، هذا الغياب تجسد في مصادرة عقل التلميذ عن كافة مجريات العملية التعليمية حتى تحول إلى مجرد وعاء استقبال لكل ما نعتقد أنه يصنع منه إنسانا سويا ومواطنا صالحا، أقول هذا بعد مسيرة استهلكت سنين تعد بالعقود من عمري عبر طفولتها خاصة في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، وكنت قد دخلت لتلاميذ هذه المرحلة سنة 1975 من كتابة القصص والمسرحيات والبرامج الإذاعية والحلقات الدراسية في بعض المداؤس وكتابة الموسوعة والمعاجم والمختار في اللغة والعلوم والدراسات المتخصصة في الطفولة، إضافة إلى مشاركاتي في معارض أطفال خارجية وكان لي في بعضها جناحا، ثم كانت الخاتمة في إنشاء مكتبة للطفل يكتبها دستور كتاب لكل طفل وبما يعني مجانية كتاب الطفل، ومن حق هذه المكتبة أن تفخر وتعتز بأنها الوحبدة عربيا تقوم بتوزيع كل حوته من كتب أطفال في مكتبات مدارسهم وخارجها مجانا إيمانا منها بأن بيع المعرفة للأطفال مخالفة لحقوق الطفل.
لم يعد في المدى متسع كما بقول شاعرنا عاشور الطويبي علينا إنقاذ العملية التعليمية خاصة في سنوات المرحلة الابتدائية لأنها الأساس الذي تنطلق منه جميع مراحل التعليم اللاحقة، فقد اختارت لنفسها العيش في بيت متهالك يوشك أن يفقد كل أساساته وعلى المؤمنين بالتعليم وطنا ومستقبلا أن يبادروا إلى إخراجها من هذا البيت وإلا فإننا سنعود إلى ما قبل الجاهلية الأولى، هنا نحن لا نطالب بثورة قد تأتي على كل مكونات هذا البيت، كما لن نكون من الداعين إلى إلغاء دور المعلم لكننا نؤكد على ضرورة تراجع هذا الدور وإفساح المجال للتكنولوجبا التعليمية وتطبيقاتها ولو على مراحل يرافقها وبالتدريج الاستغناء عن الكتاب الورقي ومن ثم الولوج في فضاء المعمل بتنوعه وبتجاربه العملية وتطبيقاته.
كل ما تحتاجه العملية التعليمية عقل تعليمي حر…

هنا أطرح جملة أفكار تتمنى حوارا معها، وقد تساهم في إقلاق راحة أفكار أخرى.
جذر العملية التعليمية:
في البدء كان التلميذ وعلى العملية التعليمية أن تسمح له بالمشاركة المباشرة فيها وهذا يعني أن مصادرة قدراته العقلية أو الاستهانة بتأثيرها في تنمية معارفه ووعيه لن تجعل منه رجلا صحيح الجسم والعقل ومهيئا لمهمات أخرى في المستقبل، وعندما نقول مشاركا فيها أي التوقف نهائيا عن تلقينه أو تكليفه بحفظ نصوص شعرية أو نثرية أو تكليفه بواجبات بيتية يؤديها مكرها ودون استيعاب لضرورتها أو لمعانيها، يجب أن يكون الفصل هو البيئة الأولى التي يتفاعل فيها التلميذ مع المعلم ومع التلاميذ في ذات الوقت، أن يكون هو المتسائل الأول والمشارك الأول أما عقل المعلم فعليه أن يكون خادما لأسئلة التلميذ بالشرح والتوجيه والتفسير دون أن يحدد مسارات معينة يقرر هو من أين تبدأ وأين تنتهي، وهذا يعني إفساح المجال امام اهتماماته ومهاراته التي تكشف عن نزعاته العلمية والأدبية بل وحتى نزعاته وميوله الاجتماعية بجوانبها المتعددة وقبل كل شيئ عن أسئلته لأن عقله في هذه المرحلة يبدأ في مواجهة أسئلة كثيرة ويهمه أن يجد من يستمع إليه ويشاركه التفكير فيها.
> ملكة التفكير لا ملكة الحفظ والتلقين هذه هي المادة الأولى في دستور العملية التعليمية وأي دفاع عن ما عداها إنما هو دفاع عن الجهل والظلام.
> المادة الثانية: السنوات الثلاثة الأولى أهم أسس العملية التعليمية وترتكز على إطلاق عقل الطفل ليمارس البحث عن المعرفة وفق حاجة جسمه وعقله وفي فضاء لا يحد من حركته، هذا يعني أن الكتاب والكراسة والقلم التقليدي لا وجود لها، والبديل هو التعلم بواسطة المجسمات والأشكال الهندسية والمكعبات اللغوية بمختلف أحجامها وألوانها وألواح الكتابة لتعلم كتابة الحروف والكلمات والأرقام، كل هذا مع وسائل التعلم الأخرى ومنها التلفزيون لعرض البرامج الترفيهية والتعليمية، والنتيجة النهائية لهذه المرحلة أن الطفل ومع انتهاء السنة الثالثة يجب أن يكون قادرا على الكتابة والقراءة والقيام بالعمليات الحسابية البسيطة، كل هذا مرتبط بمعلم هذه المرحلة وهو أقرب للموجه منه للمعلم وفق معايير ثقافية بالدرجة الأولى ومنها:
– الدراسة الأكاديمية ليست شرطا حاسما إذا توفرت الشروط الأخرى أو هما معا.
– ثقافة مجتمعية ومعرفة جيدة بحاجات الطفل العقلية والنفسية والانحياز لشراكته في العملية التعليمية.
– متابعة للمنجز التعليمي في تكنولوجيا الاتصالات.
– أن تكون له هواية يمارسها ويفضل أن تكون الموسيقى من بينها.
– من الأفضل أن يكون مقبولا في المعرفة بلغة أجنبية.
– أن يكون ذو شخصية تلقائية يقبلها من يتعامل معهم.
– أن يكون محبا للقراءة والاطلاع.
– أن يتمتع بشخصية منفتحة في عقلها وقلبها.
> المادة الثالثة: أن النشاط الجمعي عامل إثارة للمبادرة والتنافس المعرفي، وهذا يعني أن النشاط التفاعلي بين التلاميذ في المهرجانات والمسابقات والأنشطة الثقافية والعلمية والفنية من شأنه أن يحفز عقل التلميذ على إنتاج أسئلة تساعده على إثبات جدارته بأن يكون له وجود مميز في مجتمعه الصغير وهي المدرسة كما في مجتمعه الكبير وهو المجتمع.
> المادة الرابعة: إن التفاعل بين التلاميذ فيما بينهم داخل الفصل وتفاعلهم مع المعلم هو الذي يؤدي إلى فهم الموضوع بأبعاده العلمية والاجتماعية وهذا يعني عدم جدوى تكليفهم بالواجبات البيتية لكن يمكن تكليفهم بالمراجعة وتسجيل أسئلة أخرى يمكن مناقشتها في اليوم التالي وقبل بداية الدرس الجديد,وفي هذا السياق نعتقد بأن شرح النص وتبادل الأسئلة حوله بين التلاميذ هو ما يجب أن يركز عليه المعلم لما له من مردود مباشر على عقل التلميذ ووجدانه أما تكليفه بحفظ النص فلن يكون إلا عامل إقصاء بين التلميذ والنص.
> المادة الخامسة :العملية التعليمية ليست اختبارا اجباريا تحدده درجة للنجاح وأخرى للرسوب، هي فقط مساعدة التلميذ لمعرفة قدراته الحقيقية وتوظيفها للكشف عن قدرات أخرى ومعرفة أخرى، ولهذا نقول بعدم جدوى امتحانات آخر العام لمعرفة هذه القدرات التي يمكن اكتشافها عن طريق الاختبارات الأسبوعية والشهرية، والإشارة هنا تذهب إلى تلاميذ المرحلة الأولى من التعليم الأساسي.
> المادة السادسة: الحلقات الدراسية:العملية التعليمية السائدة لا توفر لعقل الطفل فرصة لممارسة تفكيره الحر، وعلينا أن نمهد لها الطريق كي تكون في مناهجنا، ولعلي أتمنى أن نفكر فيها منذ الآن ونضع لها تصورنا النهائي، ما يميزها أنها حرة من سيطرة العقل التعليمي الواقع تحت سيطرة المؤسسة التعليمية، فالتلاميذ وعبر فضاء هذه الحرية يختارون موضوعا للمناقشة لمدة محددة ويحضرها ما يصفه الدكتور نجيب الحصادي “الميسر” لمسار الحلقة، والمعنى واضح هنا، وما من شك في أننا لو أخذنا بها نكون قد وضعنا الأساس الأهم في حرية العملية التعليمية وهي مشاركة التلميذ.
> المادة الثامنة :الطبيعة مدرسة:نحن غافلون عن هذه المدرسة لأننا لا نعرفها رغم أهميتها السابقة على مدرسة المؤسسة التعليمية الرسمية، بل إنني أذهب أبعد من هذا وأقول أن العقل العربي ونحن منه ما زال صحراويا فالصحراء تسكنه رغم استعماله لكل منجزات الحداثة، عقل لا يعرف الشجرة لذلك هو لا يتغنى بها بل يخاف، وقد حان وقت الاعتراف بها وبضرورتها العلمية والتعليمية ونخصص لها فضاء مهما في المنهج الدراسي.الطبيعة مدرسة، لا يوجد فيها فصل دراسي ومعلم وكتاب وامتحان، مع ذلك فإنها تقوم بمهمتها التعليمية بقوانين تسمى قوانين الطبيعة، وبمناهج تستجيب لكل ما في العقل من أسئلة وبحث عن المعرفة، فهي تتكلم وتشرح وتفسر وتغير وتضيف وتجيب على أي سؤال دون أن تحدد زمنا معينا، مدرسة مفتوحة في كل وقت، يكفي أن ندخلها ونسألها، وفي كتاب القراءة والتعبير والمحفوظات لا تشغل الطبيعة إلا حيزا ضئيلا جدا من المنهج لا يتيح للطفل إلا فرصة المشاهدة ويمنع عنه المشاركة والتجربة العلمية المباشرة.فمن وجهة نظر تعليمية يبلغ الطفل مرحلة عقلية متقدمة تمكنه من خلق علاقة فيها الكثير من التحليل والأسئلة واستيعاب المعاني البعيدة لمفردات الطبيعة ووظيفة كل منها، ثم يبقى هدف آخر يؤكد حاجة الطفل للتعلم من الطبيعة وهو الخيال، إذ أن الطبيعة بسحر ألوانها وأنواع أشجارها ونباتها وأجناس طيورها وحشراتها من شأنها أن تطلق مخيلة الطفل وتساهم في بناء شخصيته.
> المادة التاسعة: غياب الحرية عن العملية التعليمية يتجسد في مادتين وهما مادة التربية الوطنية ومادة التربية الاسلامية وعلينا رفع هذه الوصاية لأنها تفتك حقا ليس لها وتمنح حقا لغير صاحب الحق، وصاحب الحق هنا هو المجتمع لأنه هو الذي يربي، يربي ولا أحد سواه، بدليل اختلاف الاجتهاد أحيانا إلى حد التطرف في شرح هاتين المادتين، الأمر الذي نتج عنه ما صار يعرف بالمزايدة في الدين والمزايدة في الوطن وفي الوطنية، وإذا كانت الأدبيات الوطنية مشاعة في سؤال الانتماء الوطني فلا يجب أن يكون الأمر هكذا في الانتماء الديني لأن القرآن الكريم قد حسم الاجتهاد {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}… {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} صدق الله العظيم.هذا على سبيل المثال لأن في القرآن الكريم أيات كثيرة تؤكد على فردية العقاب والثواب.
> المادة العاشرة: كتابة وإعداد المناهج جرحتها عبر سنين طويلة عيوب كثيرة، فقد تحولت إلى تكليفات إدارية تتكرر لنفس الأسماء كل عام، ودون الدخول في التفاصيل وهي كثيرة يجب تطبيق مبدأ المنافسة يدخلها من هم في المؤسسة التعليمية أو من خارجها، وعند الاختيار بجب أن تتولاه لجنة متخصصة ومتنوعة، وضمن هذا السؤال علينا مراجعة كل سنتين وتغييره بعد أربع سنوات.
> المادة الثانية عشرة: السماح للتلميذ للوصول للمعرفة دون عائق مادي أو معنوي، يتوازى مع هذا – جهاز تلفزيون في كل فصل واستغلاله في شرح الموضوعات العلمية ومشاهدة برامج يرى المعلم أهميتها لتنمية مدارك الطفل العقلية والنفسية.
> المادة الثالثة عشرة: المعامل من أهم أساسات العملية التعليمية الناجحة، وغيابها يفقد المنهج المقرر قيمته وجدواه ولا يشجع التلميذ على تحصيل المعرفة الحقيقية، معامل تبدأ من معمل اللغة ولا تنتهي إلا عند معامل الكيمياء والفيزياء على سبيل المثال.
> المادة الرابعة عشرة: المدرسة تقفل أبوابها بعد ساعات معينة كل يوم لا تتغير ولا تتبدل، أما التلميذ فيذهب إلى أي فضاء عام يلتقي فيه مع، أخرين في نفس عمره أو ما يتجاوز عمره لأن ما يهم هو الحرية المطلقة بعيدا عن البيت والمدرسة، إن ما يحقق تكامل العملية التعليمية أن تبقى المدرسة متاحة تعمل على تقوية العلاقة مع التلاميذ عبر نشاط متنوع يمارسه التلاميذ بعد لرسمي:مثل:المهرجانات، الثقافية، والفنية، المسرح، المسابقات، الرحلات.الحفلات الفنية.
التربية الاجتماعية تحل محل التربية الوطنية انطلاقا من حقيقة واضحة تقول إن الوطن مجتمع وأن المجتمع هو الوطن، والوطن ليس أرضا فقط، هنا تأخذ التربية الوطنية مكانها في التربية الاجتماعية لأنها جزء منها وسابقة عليها وليس العكس.

علينا أن نكون مجتمعا صالحا قبل أن نكون وطنا صالحا.. هكذا ينتهى ما في عقلي من أفكار لكن الأسئلة لن تنتهي. أشكركم…

مقالات ذات علاقة

مومياءات ليبيا أكثر قِدَماً من المصريّة

منصور أبوشناف

لحظة ترجل التاريخ

وفاء البوعيسي

أغنية الماضي والحاضر: (وين سايرة يا مركبي قوليلي)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق