/ن أعمال التشكيلية امباركة زيدان.
قصة

أزمـــــــــة

تعودت على مدى أعوام على سماع صوت صفقة الباب عند الفجر، استيقظ وأعرف أنها السادسة تماما، باستثناء يوم الأحد. إنه بافلوس ساكن البيت المجاور.. واستمر ذلك على مدى سنين طويلة.. حتى جاءت الأزمة.. فقلـّصت الورشة التي يعمل بها عدد العمال.. وما عدت استيقظ صباحا على صفقة الباب.

زوجته.. الشقراء يوانا.. لم تتلق الكثير من التعليم، شديدة التدين ولا تفوتها صلاة في الكنيسة، يكاد الدمع يطفر من عينيها عندما تتحدث إليك عن صلب المسيح.. كأن ذلك قد حدث مساء الأمس، والمؤمنون مشغولون بمتابعة نشرة الأخبار ومباراة كرة القدم الأسبوعية المتلفزة.. فلم يفطنوا لجنود بيلاطس البنطي وهم يدقون المسامير في يدي ابن مريم، ولا لبيلاطس نفسه وهو يغسل يديه بعد إنتهاء المباراة والنشرة الجوية لمنطقة الشرق الأوسط الكبرى.

ايوانا هذه.. اصيبت بالرعب عندما اكتشفت أن ابنتها تستمع للـ (هيفي ميتال).. جاءتني ذات مرة لأترجم لها أغنية على غلاف سي دي.. حتى تتأكد من أنها لا تمجّد الشيطان (ضحكت في سري للمقارنة.. من حقها بالطبع.. فهي أيضا تريد أن تمنع تمجيد الشيطان في بيتها).

استمر ذلك على هذا النحو.. أعني صوت الباب وهو ينصفق ست مرات في الأسبوع على تمام السادسة فيما يشبه الاحتجاج.. حتى جاءت الأزمة.. ولم يعد الرومان يتحملون نفقة حراسة المسيح المصلوب فوق الجلجثة، فاضطروا إلى إنزاله وتسليمه إلى أمه مريم وخالته مارثا. وذلك قبل أن تسرق منهما الجثة على يد نابشي القبور وهادمي الصلبان، وبيعها لبعض طلبة كلية الطب واللاهوت بجامعة أورشليم ـ القدس الأهلية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والهئية العامة للإفتاء.

والأزمة.. هي:

تدخل البنوك ورأس المال في كل تفصيل من تفاصيل حياتك.. من طبيخ العدس وبرج الدلاع (كما هو وارد في العهد القديم)* وحتى صابونة الاستحمام وورش الحدادة وأكشاك بيع الصحف وصناديق الاقتراع وصلبان الأنبياء والجثث والنصوص الدينية والدنيوية. يعنى تحويل حياتك إلى جحيم مقنن مصنوع ومعلب في معامل بعينها، من أجل الحفاظ على فردوس رأس المال للأعضاء فقط، ثم إرسالك إلى سقر وبئس المقر، وتحجيمك في قطعة عملة، بعد أن كنت تعتقد أنك كائن آخر.

حسنا.. ليس بمقدوري أن اشرح لك الأمر أكثر من ذلك، باستثناء توضيح نقطة واحدة فقط.. تتمثل في أن الأزمة في نهاية المطاف يمكن اختصارها ـ إلى حد ما ـ في بيت من أغنية شعبية من خمسينيات أو ستينيات القرن المنصرف، كانت تعتبر خليعة بمقاييس ذلك الزمان.. تقول:

جيت انولع في البابور.. في البابور.. القيت القاز أمّية.. !!

وذلك لسبب بسيط واحد.. هو أن أحدا ما كان قد سرق القاز.. ووضع لك ماء من النهر الصناعي مكانه.

لعلها ما زالت خليعة بالفعل.. !!

أثينا/ 1 يوليو 2012

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سفر التكوين: 25/ 27-34

مقالات ذات علاقة

اللـوحــة

أسماء الأسطى

الطبيعيون

عمر الككلي

لا شيء!

خالد السحاتي

اترك تعليق