المقالة

أزمـة الكـتابة التاريخـية

فوزي البشتي

تعاني المكتبة العربية فقراً شديداً في المؤلفات الرصينة الخاصة بمناهج البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية عامة ومنهج البحث في التاريخ خاصة،

فالمتاح من المؤلفات العربية ليس سوى إعادة صياغة لا تخلو من خلل أحياناً لبعض الكتب الدراسية في أصول المنهج التي نشرت باللغة الانجليزية قبل منتصف القرن الماضي، أو ترجمات غير دقيقة«أحياناً» لبعض المؤلفات الكلاسيكية في هذا المجال،نشر معظمها قبل خمسينيات القرن الماضي، وتخلو المكتبة العربية تماماً – فيما نعلم من الكاتب المؤلفة أو حتى المترجمة التي تعالج تطور علم التاريخ والاتجاهات الجديدة في الكتابة التاريخية والمدارس المختلفة في تفسير التاريخ اللهم إلا بعض المقالات القليلة التي تنشر هنا وهناك ولا تحظى إلا باهتمام نفر قليل من المعنيين بالدراسات التاريخية، مما يستوجب الاعتراف بأننا نواجه أزمة متفاقمة في المنهج تعاني منها الدراسات التاريخية في الوطن العربي، وتتجلى هذه الازمة في معظم ما تخرجه المطابع من كتب، وما تجيزه الجامعات من اطروحات للماجستير والدكتوراه يكشف معظمها عن قصور شديد في التدريب والاعداد المنهجي للباحثين وتميل غالبيتها إلى «القص التاريخي» ويغلب عليها أسلوب السرد الممل ومن عجب أن تطالعنا الصحف بأخبار مناقشة اطروحات جامعية في التاريخ قاربت الألف صفحة أو تجاوزتها قليلاً بشيء من الإشادة والتقدير، وكان صاحب الاطروحة قد فتح فتحاً مبيناً في مجال التخصص ولا يدرك إلا القليل من أهل الاختصاص مغزى هذا التورم السرطاني للاطروحات الذي ينم عن فساد المنهج أو حتى غيابه التام، وإذا بحثنا عما توصل إليه صاحب الاطروحة أو الكتاب من نتائج بعد هذه الدراسة المكتظة بالمعلومات عدنا بخفي حنين فغالباً ما يقوم الباحث بتقديم ملخص هزيل لاطروحته أو كتابه في خاتمة الدراسة لعجزه عن تحليل المادة أو نقدها واستخلاص النتائج منها لغياب الادوات المنهجية التي كان عليه أن يتزود بها قبل أن يشرّع في إعداد بحثه.

ويرجع ذلك إلى قصور ملموس في إعداد طلاب الدراسات العليا بالجامعات يعود إلى ضعف التدريب المنهجي واسقاط دراسة مدارس الفكر التاريخي، وفلسفة التاريخ من برامج للدراسة بأقسام التاريخ إذ يقتصر تدريب الطلاب على كيفية جمع المادة، وترتيبها وصياغتها والتعرف على المصادر الأساسية في سياق نظري بحث، وتكون المحصلة النهائية لأمة المنهج تضخماً في الانتاج وضآلة للتراكم المعرفي الذي يدفع عجلة البحث التاريخي قدماً إلى الأمام ويساعد على تطوير الكتابة التاريخية.

لذلك كان كل جهد يبذل لإلقاء الضوء على القضايا المنهجية في البحث التاريخي بالغ القيمة عظيم النفع، طالما كان يرشدنا إلى ما حققته الكتابة التاريخية من تقدم منهجي في النصف الأخير من القرن الماضي، ويطرح على بساط البحث أموراً يعد الحديث فيها – عند معظم المؤرخين العرب المعاصرين – أدخل في باب المحظور منه في باب المباح لعل ذلك يحفزنا على مراجعة مواقفنا المنهجية المعينة فنحاول أن نطور الكتابة التاريخية عندنا، استفادة بما تحقق في هذا المجال على الصعيد العالمي.

ورغم أن الاهتمام بدراسة التاريخ المعاصر بدأ عند نهاية عشرينيات القرن الماضي في الغرب ظلت الجامعات العربية تتمسك بالمدرسة التاريخية الألمانية والمدرسة المثالية والمدرسة الوضعية تمزج بينهما بوعي أحياناً وبدون وعي في أغلب الأحيان ثم بدأ بعض المؤرخين العرب في استخدام المنهج المادي في منتصف ستينيات القرن الماضي بدرجات متفاوتة من الفهم والتوفيق وإلى هؤلاء يعزي الفضل في التمرد على التقليد الذي كان راسخاً – عندئذ – في الجامعات العربية الذي كان يتمسك بحاجز الخمسين عاماً كحد زمني لا يجب تخطيه لدراسة التاريخ وكأنه سور الصين العظيم فتجاوزوا هذا الحاجز حتى وصلت بعض الدراسات إلى عقد واحد من الزمان وهكذا عالجوا التاريخ المعاصر ووجهوا تلاميذهم نحو دراسته.

28.05.2010

مقالات ذات علاقة

أمـام البحـر لا يمكـنني الكـتابة.. ثـرثـرة حـول المـعانـاة

محمد الأصفر

الإرهـاب الإلكتروني

خالد السحاتي

نظرية التغيير إلى الأفضل: الجوهر قبل المظهر

علي بوخريص

اترك تعليق