من أعمال التشكيلي الليبي عبدالقادر بدر.
المقالة

أزمة

هل موروثنا بهذا السوء لنلقي عليه كل فشلنا؟
أيهما الأسبق الأمة أم موروثها؟ مٓن صنع الآخر؟

قيل إن جدتنا الأولى في غابتها الطبيعية، انتبهت إلى سوءتها، فخصفت عليها أوراق الشجر لتداريها، وكذا فعل بعلها، وتبعها أبناؤها الذكور والإناث على السواء، فالبذاءة كانت واحدة، والعورة عورة، وفي أول صدام علائقي، فج الأقوى رأس الآخر، قسّموا المهام بينهم حسب الأنسب، حراسة وصيدا، وحضانة، ومثلهم قطعان الحيوانات، كالقردة، والفيلة، والأسود، التي رسمتْ حدودها برائحة مخلفاتها، ومن اجتاز فقد اعتدى، ومن ضعف فقد استبيح، اللبوة تخرج للصيد والأسد للحراسة، وعلى الإنسان إما أن يبقى على مجموعاته الغابية أو يحاول التغيير.

تمرّد الإنسان على الطبيعة، وهذّب حيْوَنَتَه، ورسم موروثه، فتكوّنت مجتمعاته درجاتٍ حسب درجة هذا التهذيب، ونوعية التمرد، ارتسمتْ على هرمٍ حسب بعدها وقربها من غابتها البدائية، فبرزتْ المجتمعات المتمدنة في قمة الهرم، وتفاوتتْ غيرها في مستوى بدائيتها، ولا نعني ذات الهرم الذي يبرز مصغرا في المجتمع الواحد، كان للثورة الصناعية أثر الرسم، حدّدت درجة تقدم المجتمعات بتقدمها الاقتصادي الذي يتناسب طرديا مع مستوى المعيشة والتنمية البشرية والتعليم بين مواطنيها، وعلى ضوء هذا صَنّف بُحّاث الدول المتمدنة وصندوقُها النقدي العالمَ إلي أول وثان وثالث، معتمدين على أنه نامي وغير نامي، وما بينهما، حسب مستوى دوله المعيشي، الرئيس الأمريكي” ترومان” صاحب التسمية ” النامية” تهذيبا للمتخلفة، دعا في 49م المجتمع الأممي أن يُخرج الدول النامية من تخلفها، ففازتْ بالتخرج أقليّة، بيدَ أن العالم الثالث هو الذي رضخ تحت الاستعمار، وتفاوت في ثالثته، (متخلف جدا، أو يحاول التطور، أوطار ببصره وقدماه في الوحل)، وكنا من دوله التي واكبتْ الطفرة المادية ونبذتْ العلمية، وأبقَتْ على قاعدتها المتخلفة، فحدثت الهوّة وتأزمتْ. نعم، حاول الإنسان التمدن والتمرد، هزم الطبيعة وبنى الحضارات، واستقبل الوحي، تمدّن الإنسان وتغير، لكنه لم ينسلخ تماما عن غابته، تحرر العالم ماديا، وبقي غابيا في طريقة تفكيره، وأخلاقه، فاضطرب، واختلّ، ومن مظاهر ذلك، اختلال التفكير واضطراب الشخصية لديه، وعدم تحمله مسئولية أفعاله، وتحويل العالم إلى عبد وسيّد، سجن وسجّان، حارة وفتوّات، ذكي وغبي، متعلم وجاهل، عالم من رعب وإذلال وتغييب، ليعود على المستويين، الشخصي والدولي، إلى قانون الغابة الأم (القوة).

ما يهمنا هنا لماذا لم يسطع هذا الثالث التحرر من تخلّفه؟ ولا الدفاع عن مقدراته! ولا غربلة موروثه! ولا يمارس ساديته إلا على مواطنيه؟ ولم تخرج من نامياته دولة عربية واحدة، وإلى متى سنبقى فيه! ولماذا تكتّل هذا الثالث جنوب أمنا الأرض؟ فهل لقربه من الغابات دور!

مقالات ذات علاقة

المجتمع المغلق يقذف طلائعه المثقفة نحو المنفى النفسي

يوسف القويري

لمحة من تاريخ الصخب العربي

علي عبدالله

هل كان القذافي ضرورة؟

عمر الكدي

اترك تعليق