طيوب البراح

أرجوحة يتيمة

نبيلة سالم الطاهر

 
لا زلتُ واثقة أن شوقي إليها عبق يطيّب روحي مهما ابتعدتْ وورّاها التراب بعد أن منحت روحها لآخر حبة من عنقودها، (زهرتي الغالية) التي طالما سألت نفسي عنها: عن ملامحها كيف تراها كانت؟ عن مشيتها، عن هيئتها، عن نبرة صوتها؟ تسأل وأجيب إجابة هافتة تبدو بأنصاف طيف مشوشة كهيئة حلم؛ إذْ لم أمنح هبة رؤية صورتها بعد. أعيد الأسئلة وأضيف: هل تراني أحصل على صورة لها في أرشيف جدي (اللي مصكر عليه بالقفل والمفتاح)؟

لم أعِ لمَ كل ذاك الحرص من جدي يا ترى؛ أتراه يخشى سقوط حبة لؤلؤ من عينيه الزرقاوتين أثناء رؤية طيفها من جديد؟! أم أنه يخشى على ذاك الأرشيف من كيد إحدى نسوته اللواتي جلبهن بعد وداعها.
يبدو لي في كل مرة يرفع فيها صوته بغضب على إحداهن، يبدو لي وكأنه يبحث عن ثغرة يواري فيها سوءة حنينه ولسان حاله يقول: ( راحت أيامك يا بنت عمي).

هل تراني أحظى بصورتها رغم حرص جدي على قفل أرشيفه، أم أني سأعيش بقية أيامي عطشى لمَرآها. كانت كل تلك الأسئلة تراودني بين الفينة والأخرى، ولا سيما عندما كنت أتأرجح في (درجيحة حوش جدي) المنسدلة على شجرة (الخروبة) الكبيرة، كان طيفها يراودني كلما اشتدت حرارة الشمس وقت الزوال بعد أن أضل وحيدة تحت ظل (الخروبة)، ولا أجد من يهزها بي؛ ذاك أن الجميع ذهبوا لتناول وجبة الغداء بينما كنت أناجي طيف (جدتي الغالية) علها تأتي، لا بد أنها كانت ستأتي _ إن كانت على قيد الحياة_ فلن تترك فلذة كبدها عطشى وجوعى لحنانها، فهي تمتلك من الحنان والود معين لا ينضب، متأكدة من ذلك، وإلا من أين اكتسبت أمي كل هذا الحنان وهذه الطيبة!.

حين أسمع صوت أحدهم: (وينك؟ الغدي واتي)، أعود لرشدي، وأترك تلك الأرجوحة اليتيمة تتدلى حتى يخف اهتزازها شيئا فشيئا كلما ابتعدت عنها، تماما كما أعود أدراجي للواقع شيئا فشيئا.
مر الزمن، طالت السنين، مازلتُ أنقب عن صورة لها، رغم أني أحيانا يخيل إليّ أنها شقراء ذات عينين زرقاوتين وشعر ذهبي ليس أقل شُقرة من لون شعر فينوس ربة الجمال، وأحيانا يُخيل إليّ أنها حنطية اللون أمعنت الشمس في تأملها يومًا، فيبدو لي لون العينين بنيّ، وما أحلى لون اللّوز في عينيها!. لم أجرؤ يومًا على سؤال أمي أيّ من هذه الأسئلة؛ فقط لأني أخجل من دمعها المثقل باليتم على شفى جفنيها.

على كل حال رسمت لها صورة في مخيلتي، لونتها بملامح (أمي الغالية)، ونبرة صوتها، وجرس عينيها وقلبها الكليم كلما هزه الشوق والحنين. بعطائها البادخ، ومودة بلا ضفاف تفيض بلا استثناء على الجميع.
غيضٌ من فيض لازلتُ أرسمه وأخبئه في أرشيف الذاكرة. لازال الكثير من الجميل (المدسوس) الذي لابد أن أحيط به خبرا…                  

مقالات ذات علاقة

واقتلع الشوق ما تبقى مني

المشرف العام

كانت صدفة

المشرف العام

قـاصـرة

المشرف العام

اترك تعليق