قراءات

أحمد مصطفى الرحال يدرس أحوال يهود ليبيا

قبل ثماني سنوات من الآن وتحديداً عام 2008 أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت الطبعة الأولى لكتاب سألتهم فتحدّثوا؛ دراسة حول يهود ليبيا، لمؤلفه الكاتب الليبي أحمد مصطفى الرحال وشاركه في إعداد مادة الكتاب اليهودي الليبي رفائيل لوزون. يقع الكتاب في مئة وستين صفحة من القطع المتوسط. وصمم الرحال مؤلف الكتاب الغلاف بنفسه.

غلاف كتاب_سألتهم فتحدثوا

ويبحث الكتاب في قضية تاريخية مهمة وتهم جداً وبشكل خاص اليهود الليبين الذين طردوا من ليبيا، أو تركوها طوعا ما بين عامي 1945 – 1952 وعام 1967، كما يبرز الكتاب علاقة اليهود بالليبيين قبل أن تحتل فلسطين، وقبل أن يغادروا ليبيا، ويبين كيف كانت مشاركتهم في الحياة اليومية العامة من خلال عضويتهم في مؤسسات المجتمع الليبي في ذلك الوقت، وانخراطهم في عدد من المهن الخاصة بهم، وأيضا تقلد بعض منهم مراكز سياسية مهمة في ليبيا ذلك الوقت.

وينقل الكتاب على لسان بعض من اليهود الليبين وآخرين عاصروا تلك الأحداث ما حصل لهم من قتل وتهجير وكيف أجبروا على ترك ليبيا، وكذلك نقل الكتاب مطالب اليهود برغبتهم في العودة لليبيا، وعدد من المطالب التي لخصوها بحسب ما ورد في الكتاب على لسان أحد ممن قابلهم المؤلف بالتاءات الثلاث) تسامح، تطوير، تعويض).

وقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام:

احتوى القسم الأول على الخطة العامة للكتاب وبعض التوضيحات والتنويهات حول عنوانه، وبعض المسائل الأخرى، وقصة كتابته لهذا الكتاب وقراره بالخوض في تفاصيل هذه القضية الشائكة على حد تعبيره رغم حساسية الموضوع فيقول المؤلف: “هذا هو أنا أحمد الرحال، لم أقدم هذه المادة عبثاً أو غفلة أو جهلاً، بل قدمتها من خلال عمل وبحث وجهد مضن، قدمتها بعد تحقيق من بحثي وبعد تأصيل وجهد من أجل سد كل فجوة أستطعت أن اكتشفها”.

كما تضمن الكتاب مقدمة مهمة كتبها الكاتب الصحفي المميز والمدير التنفيذى لجمعية حقوق الإنسان بمؤسسة القذافى للتنمية الراحل محمد رجب طرنيش، الذي أكد في مقدمته أجواء التسامح بين العرب الليبيين واليهود الليبيين وذلك خلال الفترة التي عاش فيها اليهود في ليبيا، وعاصر طرنيش جانبا منها في طفولته ويتذكرها خاصة تلك الاحداث التي وقعت في اليوم الخامس من الشهر السادس في عام النكبة 1967 حيث كان محمد طرنيش عمره خمسة عشر عاما ومن سكان المدينة القديمة في طرابلس، فيصف ملخصا ما حدث في ذلك اليوم “عندئذ هاجت الناس وخرجت أفواجهم الى الشوارع، ولم تجد أمامها سوى الجالية اليهودية لتصب عليها جام غضبها فتحرق كل م اتصل اليه”.

ولم ينس طرنيش أن يفصل بشكل دقيق كيف كان الليبيون من اليهود والعرب يتزاورون في ما بينهم ويتشاركون في الافراح والاتراح وغيرها فيؤكد: “كان التسامح الديني بيننا لامثيل له”

كما يستعرض جانبا من نشاطهم التجاري وذكائهم وقدرتهم على كسب الاموال وكيف أن اليهود الليبيين كان لهم دور كبير في جعل عدد من اليهود العرب الذين اشتغلوا معهم في مهن مختلفة وشاركوهم فيها أغنياء وأصحاب رؤوس أموال “كما كانوا وراء إثراء عدد من الليبين ممن عملوا معهم وشاركوهم تجارتهم”.

ويمضي طرنيش في مقدمته ليطرح قضايا مهمة جداً لم يتناولها الكتاب وأهمها دور يهود ليبيا البارز في التمهيد للغزو الايطالي لليبيا، وكيف قدم يهود ليبيا المساعدات للطليان لإنشاء بنك روما، الذي عن طريقه تمت مصادرة عدد من أراضي الليبيين وممتلكاتهم بمساعدة اليهود مستغلين بساطة وجهل بعض الليبيين العرب بالقوانين، فكتب طرنيش: “كانت أغلب العقارات التي تمت مصادرتها عبر هذة الطريقة أو بالقوة بعد الاحتلال الايطالي”.

طرنيش في المقدمة التي قدم بها للكتاب أثار تساؤلا مهما أيضا أغفله الرحال ربما عن قصد وربما عن غيره وهو موقف يهود ليبيا من الاستقلال وتوحيد الولايات الثلاث حيث التزموا الصمت ولم يكن لهم موقف إيجابي يذكر.

يقول الصحفي محمد طرنيش في المقدمة: “عندما جاءت لجنة تقصي الحقائق التي أرسلتها الامم المتحدة لمقابلة الناس ومعرفة أرائهم حول وحدة البلاد واستقلالها، فكان التاجر اليهودي يقفل محله أثناء مرور أعضاء اللجنة من أمامه حتى لا يضطر إلى إبداء رايه”.

وتطرقت مقدمة طرنيش القيمة التي أضافت للكتاب الكثير موقف اليهود من الجهاد الليبي ويسأل باعتبار أن اليهود االذين كانوا موجودين في ليبيا مواطنين ليبيين بحكم القانون ولكن “هل شاركوا في الجهاد؟ وهل سجن الطليان من اليهود الليبيين؟ وأعدموا كما فعلوا بالليبيين في وقت الاحتلال؟”.

الفنان الليبي المعروف الراحل المختار الأسود، كان من بين ممن حاورهم المؤلف واستعان بهم في التعرف على بعض النقاط المهمة التي تعطي فكرة وجانبا عن حياة اليهود في ليبيا والتي عاصرها مختار الاسود ويذكرها بشكل جيد وبتفاصيلها الدقيقة ويعرض أسماءها ويروي ما عاصره، فيشير المختار الاسود الى أن اليهود كانوا مندمجين في المجتمع الليبي فمنهم الرياضي المتميز ومنهم الفنان ومنهم من تقلد مناصب قيادية مهمة في ذلك الوقت كضاط الشرطة ورئيس الغرفة التجارية اليبية.

ويتطرق مختار الاسود في حديثه إلى نقطة مهمة وجوهرية تفسر سبب تهجير اليهود من ليبيا، وأكد هذة النقطه عدد ممن حاورهم المؤلف من اليهود فقال المختار الاسود: “في وقت وجود الانجليز في الاربعينيات في ليبيا بدأت المشاكل بيننا وبين اليهود لان الانجليز جعلونا نظن أن اليهود أعداءنا، ففي عام 1944 بدأوا يرتبون لإخراج اليهود من ليبيا.. وكانوا يحذرون اليهود من البقاء في ليبيا. ويحرضوننا على رجم اليهود وضربهم”.

ويصف المختار الاسود في حديثه جانبا من الشواهد على دور الانجليز في تلك الفترة في بث الفتنة والتفريق بين اليهود الليبين واليهود العرب من بينها حادثة قتل الأستاذ الليبي العربي أستاذ الحياكة وصناعة الاحذية وهو المعروف بولد السطا الامين فيقول: “هذا الرجل قتله الانجليز في الصباح الباكر، وأشاعوا فينا بأن اليهود هم الذين، وبالتالي بدأت المشاكل والضرب والهجومات”.

وقد استشهد المؤلف فى هذا الكتاب بالكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي توضح العلاقة الصحيحة بين المسلمين وغيرهم، كما أضاف لمحة مقتضبة عن الحياة الاجتماعية في العالم العربي والاسلامي إبان الحكم التركي لليبيا، أعطت للقاريء فكرة موجزة عن طبيعة العلاقة بين العرب الليبين واليهود الليبين في تلك الفترة.

في القسم التاني من الكتاب أورد المؤلف شهادات سبعة يهود ممن عاصروا تلك الأحداث، أو سمعوا عنها وهم: رفائيل لوزون رئيس الجالية اليهودية الليبية، رفائيل فلاح الكيش رئيس جمعية يهود ليبيا، ألدو حبيب وهو يهودي ليبي مقيم في لندن، صموئيل الزروق يهودي ليبي مقيم في ايطاليا، جانكارنو كونسولاندي مسيحي ايطالي مولود في ليبيا، دانيال فرجون وايميلو فرجون يهوديان ليبيان مقيمان في ايطالي، رفائيل فلاح يهودي ليبي مقيم في إيطاليا.

وقد أفسح المؤلف لهم مساحة مهمة في كتابة ليتحدثوا بإسهاب عما يريدون، حتى دون أن يقاطعهم أو أنهم يواصلون توصيل الرسالة التي يريدونها دون الالتفات أو التقيد بالسؤال المطروح، كما أكد مؤلف الكتاب ذلك: “سألتهم كما يسأل أي سائل مسؤوله يريد منه إجابة محددة، ولكني فؤجئت بهم يتحدثون، لا كما يجيب المسؤول بل كما يرى أن يتحدث إنسان إبتداء دون الحاجة إلىمن يسأله..”.

كل من تحدث للمؤلف كانت لديه رغبة أكيدة مشوبة بالحنين الشديد والعاطفة القوية التي تصاحبها الدموع، وهم يطلبون العودة لوطنهم الاصلي ليبيا، وكلهم أيضا دون تفريق يشعرون أن ليبيا أمهم وأنهم مستعدون لتقديم الغالي والنفيس لتتقدم وتتطور.

ونقل القسم الثالت من الكتاب ستنتاجات توصل اليها الكاتب وقدمها ملخصة في أربع صفحات مستنداً على الحوارات التي أجراها، وبعض الوثائق والمستندات التي عرضها في متن كتابه يلخص المؤلف في الختام إلى أن اليهود الليبيين في ليبيا: “كانوا جزءاً من التركيبة والنسيج الاجتماعي فيها” (وأعتقد أن الوقت فعلا حان لمراجعة مسألة التعدد وقبول الاقليات التي ربما تتمثل في حدود الاقلية اليهودية).

كما حوى الكتاب عدداً من الوثائق والصور المهمة تقارب من ستين صورة ووثيقة تنقل حياة يهود ليبيا قبل خروجهم أو طردهم منها وبعدها وسعيهم للرجوع إليها باعتبارها موطنهم الاصلي.

___________________

نشر بموقع ميدل ايست أونلاين

مقالات ذات علاقة

خواطر عن بلدي لحمزاتوف .. الأدب الذي يدجن الجغرافيا

عبدالحفيظ العابد

للشِّعْرِ أمسٌ وقمرٌ وأشذاء

جمعة الفاخري

النصّ الناقص (لعائشة الأصفر) على هامش الرواية

عمر عبدالدائم

اترك تعليق