أحمد زبيدة
حوارات

أحمد زبيدة، فنان البناء الطبيعيّ

هنا ليبيا

أحمد زبيدة (34 عاما) شابٌ عاشِقٌ للتجارب الجديدة. شخصيّة مميّزة، ذو اهتمامات عديدة، أدبيّة وفنيّة وبرمجيّة. فهو مدوّن، ومطوّر مواقع، ومصوّر محترف. هذه المرّة، التقيناه ليحكي لنا قصّة الطين، وتجربته مع البناء بالمواد الطبيعيّة.

قصّة الطين، الجرّة هي البداية

كيف دخل المهندس “أحمد زبيدة” عالم الطين؟ سؤال راودني منذ زمن، قبل حتى أن ألتقيه. ثمّ كيف تولّدت عنده فكرة البناء بالمواد الطبيعيّة سيّما وهي مجالٌ مغمورٌ غير مشهور. يحدّثنا “زبيدة” عن تفاصيل اللحظات الأولى لولادة هذه الفكرة. فيقول:
تولّدت الفكرة بالصدفة تمامًا. كنتُ أجهّز لعمل فوتوغرافيّ ما، فالتقيتُ فيه بالصدفة مع جرّة ماء “برادة”، ولم يكن لقاءً عابرًا، ففي تلك المرّة بالذات شدّني الفضول إلى معرفة الفيزياء التي تمنح هذه الجرّة القدرة على الحفاظ على برودة الماء عند ارتفاع درجات الحرارة Passive cooling”
“هذا الفضول، قادني إلى الاهتمام بمادّة الطين، ومن ثمّ استخداماته، والتي كانت إحداها البناء. المبنى الطيني هو في الحقيقة عبارة عن جرّة “برادة” كبيرة. طبعا خلال هذا البحث والذي استمرّ سنوات كمجرّد اهتمام نظري يثيره دافع الفضول؛ يمكن أن نقول أنّه بدأت تتبلور لديّ فلسفة حول البناء الطبيعي

من رحم الفكرة إلى عالم الواقع

هناك دائما في كلّ فكرة، نقطة تحوّل، تجعل من صاحبها، يفكّر في تحويلها إلى واقع. كان سؤال المتى – متى تحوّلت البناء بالمواد الطبيعية من فكرة إلى عمل؟ – هاجسا لي في بداية الحوار. عندما سألتُ ضيفنا المهندس “زبيدة” كانت إجابته:
“في سنة 2013 أو 2014 لا أذكر؛ حاولتُ أن أسوّق فكرة البناء الطبيعيّ لبعض الجمعيّات الخيريّة، سيّما وأنّها بتكلفتها الزهيدة يمكن أن تكون حلًا مناسبًا للمهجّرين من مدينة تاورغاء في طرابلس، بدلا من بيوت الصفيح وأنابيب البلاستيك وغيرها من مواد الخردة، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، كان السبب الراجح عندي هو عدم وجود اُنموذج حيّ يمكن الاستدلال به على جدوى الأمر، رغم أنّ هذه التقنيات يتم إحياؤها في أماكن مختلفة من العالم، ولكن لم يكن هذا مقنعًا هنا”.
هل فشلُ هذه المحاولة كان عائقا لـ”أحمد زبيدة” لاستكمال فكرته وتحويلها إلى مشروع؟. بالطبع لا. يستمرّ أحمد في سرد قصّته، فيقول:
“بدأتُ بجمع بعض عيّنات الطين من مختلف المدن، وبدأتُ بإجراء التجارب المختلفة على هذه المواد وخصائصها، ومدى إمكانية استخدامها كمادّة بناء، وقمتُ كذلك بصناعة بيتٍ صغير لقِطة استكمالًا لهذه التجارب. ثم بدأتُ في أوّل مشروع بناء حقيقي سنة 2017 بعد أن تمكّنت من شراء قطعة أرض خاصّة بي (بمنطقة وادي الربيع، جنوب طرابلس). أوّل مشروع كان عبارة عن بير أبوجناح تقليدي كبير بارتفاع خمسة أمتار”

بين واقعين: لكلّ فكرة ردّة فعل

لكلّ فكرة جديدة، ردود أفعال متباينة. البعض يفهمها والبعض يتجاهلها، والبعض قد يحاربها. كما أنّ هذه الردود، تتخذ أشكالا مختلفة بين الواقع ومنصات التواصل الاجتماعي. تعليقا على ذلك، أجابنا “م. أحمد زبيدة“:
الحقيقة أنّ ردود الفعل على مواقع التواصل كانت أفضل بكثير منها على الواقع، وهذا بسبب اختلاف خلفيات هؤلاء عن هؤلاء، وبسبب اختلاف خلفياتهم عني. الغالبية كانت مشجّعة، رغم أنّ البعض كان يظن الأمر بعيدا، والبعض يظنّه مضيعة للوقت، أي: ما فائدة كل هذا التعب لوحدك لمدة سنة من أجل بناء “ديكور” ؟”
ورغم قساوة ردّات الأفعال هذه، وتباينها بين الواقع والافتراض؛ إلا أنّ “زبيدة” كان له تبرير آخر لذلك وتفسير، فيقول:
“من باب الإنصاف، أتفهّم سُخرية بعض الناس، أو عدم تفهّم الفكرة أو اعتقادهم الخاطئ، أنّني قرّرتُ العودة إلى حياة الكهوف؛ لأنّ توقيت طرح الفكرة وكيفيّتها كانت مختلفة. فقد طرحتُ الفكرة في الواقع عندما كانت مجرّد خواطر وأحلام في رأسي، أمّا على مواقع التواصل فلم أبدأ الحديث الفعليّ عن الأمر إلا مع بداية تنفيذ هذه الأفكار. وكنتُ قد عزّزتُ ذلك بكتابة بعض التدوينات التي وضحت فيها الغرض من كل هذا، وماذا يحصل في العالم”
يسترسل “أحمد” في تفسير تباين ردّات الأفعال بين العالم الحقيقي، والواقع الافتراضي، قائلا:
“من السهل أن أقول أنّني أريد المساهمة في الحفاظ على البيئة، في تدوينة، ولكن تخيّل أن تحاول قول ذلك لـ”ولد شارعك” أو “أحد أقاربك” من المستحيل ألّا ترى الابتسامات الساخرة. نحن لا نأخذ هذه الأمور بجدية، حتى لهجتنا – التي تخلو من هذه الثقافة – تجعل الكلام عن ذلك يبدو مضحكًا
تخبرنا التجارب، أنّ آراء الناس حول فكرة جديدة، تتغير كثيرا بعد نجاحها. وهذا ما أكّده “زبيدة” أيضا:
“بعد نجاح التجرية، كل شخص تغيّر، حسب موقفه الأصلي، تغيّرت اللهجة، وتواصل معي الكثيرون من أجل أن أنفّذ الفكرة لهم. وهناك من ينتظر مشروع البيت بشوق، ويلحّون في السؤال، لدرجة محرجة؛ بسبب توقف عملي في البناء هذه المدة. لكن ردود الفعل التي كنت أنتظرها لم تحصل، وهي: أحمد: أريد أن آتي معك وأتعلّم البناء من خلال المشاركة. وأحمد: أريد أن أبني بيتي بنفسي فماذا أفعل؟ هناك اهتمام بالفكرة ولكن لا تصل إلى درجة تبنيها“.

عن اتساخ اليدين بالطين؟

قد نتفهّم، سبب اهتمام “م. أحمد زبيدة” بالبناء بالمواد الطبيعيّة، خصوصا بعد إجاباته السابقة، حول ولادة الفكرة، وردود الأفعال. لكن يبقى سبب اتجاهه إلى البناء بنفسه، وبيديه، مجهولا، بدل – مثلا – الإشراف على ذلك؟. عاجلتُ ضيفي بهذه الأسئلة، فبادرني بقوله:
“هناك عدة أسباب، في البداية كان السبب شخصيّا، حيث أردتُ وضع إرادتي تحت الاختبار، أيضا أردتُ توجيه رسالة وموقفٍ تجاه اتكالنا شبه المطلق على العمالة؛ إذ عندما بدأتُ في تجهيزات البناء تردّدتْ على مسامعي كثيرًا عبارة “ليش ما تجيبلها عامل؟”.
“أردتُ أيضًا اختبار جملة م.حسن فتحي – وهو أحد آباء إعادة إحياء البناء التقليدي – حيث قال “رجلٌ واحدٌ، لا يمكن أن يبني بيتًا ولكن يمكن لعشرة رجال أن يبنوا عشرة بيوت” هذه الفكرة مهمة، لأن مجتمعنا – كمجتمعات أخرى – بدأ يغلب عليها طابع الفردانية، وبالتالي طرحتُ على نفسي سؤالين:

– هل يمكن إعادة إحياء العمل التكافلي بين الأقارب والجيران، مع إعادة إحياء البناء الطبيعي أم لا؟
– إن لم يكن ذلك ممكنًا، فهل يمكن للفرد مع التقدم التقني أن يبني بيته بنفسه أم لا؟”.

البناء بالمواد الطبيعيّة VS البناء الحديث

الآن، سنغوص في فكرة البناء بالمواد الطبيعيّة، أكثر، ومميّزاتها عن البناء الحديث، وعيوبها. حدّثنا “أحمد زبيدة” عن ذلك، من خلال تجربته:
“مسألة البناء لوحدي أو بمساعدة آخرين، ليست فقط مرتبطة بموقفي من العمالة، بل هي أيضا، مرتبطة بشكل لصيق بالجدوى الاقتصادية من البناء الطبيعي، فمن أجل تسويق هذه التقنية يجب أن تكون إحدى مميزاتها، أنّها أقل تكلفة من البناء الحديث. البناء الطبيعي أقل تكلفة بكثير من حيث المواد، ومن ناحية أخرى تغني عن مراحل كثيرة في البناء الحديث”.
“ولكنّ البناء الطبيعي عملية أبطأ، حيث تعمل – كما تعمل الطبيعة – بثبات ولكن ببطء، وهذا سينعكس على تكلفة العمالة؛ فكل الذي يمكن توفيره من مال في المواد سيتمّ فقدانه في سعر العمالة الزائدة. بالتالي هنا تطرح المشكلة نفسها: كيف يمكن خلق بزنس مودل جديد مناسب للحفاظ على التكلفة المنخفضة؟. اُنموذج يشبه الطريقة التكافلية التي بُنيتْ عليها هذه التقنية سابقًا”.
هذا عن مشاكل البناء الطبيعي وعوائقه. ماذا عن مميّزاته الاقتصادية والجمالية والبيئيّة، مقارنة بالبناء الحديث؟. يقول “زبيدة“:
“البناء الطبيعي يختلف من عدة نواحي، فهو أولًا صديقٌ للبيئة، مواده تخرج من الأرض وستعود إليها. وهذا يجعل المسكن الطبيعي أكثر ملاءمة لحياة الإنسان الصحية: (خلوه من المواد الكيميائية، مشاكل الرطوبة والعفن)… هو أيضًا صديق للبيئة من حيث فاعليّته، فعملية الحفاظ على جو وحرارة ملائمة داخل البناء، تتم بعملية طبيعيّة لا تحتاج إلى استهلاك الطاقة للتدفئة أو التبريد”.
“تصميم البناء الطبيعي عادة ما يكون أكثر راحة بصريًا، فهو انسيابيّ ومنحني الزوايا وألوانه الطبيعية مثل بياض الجير أو درجات الطين وغيرها، أكثر جمالا من المواد الصناعية والبلاستيكية، وأكثر نعومة وحميمية. أيضا، خطأ البناء في البناء الحديث عادة ما يعطي أثرا بشعًا على البناء، أمّا أخطاء البناء في البناء الطبيعي فهي تفاصيل إضافية، تحكي قصّة الإنسان الذي بنى هذا البنيان، خاصة لو كان الباني هو الساكن. فالطبيعة تستطيع استيعاب العفوية، وعدم الانتظام، ولكن لا يستطيع البناء الحديث ذلك وإن فعل ذلك فبتكلّف”

خاتمة: الظروف والإرادة، ماذا بعد؟

قطعة الأرض التي يمتلكها المهندس “أحمد زبيدة” تقع في وادي الربيع جنوب طرابلس. منذ حرب أبريل 2019 أصبح أحمد عاجزا عن دخولها. وكان قد توقّف في البناء فيها، بعد بناء البئر. تذبذب أحوال البلاد، وعدم استقرارها يجعل من اتخاذ القرارات أصعب. يقول “زبيدة” بنبرة صوت خافتة:
“لستُ متأكدًا من الخطوة القادمة، كيف يجب أن تكون؟ ومتى؟ وما هي الآلية؟، وهل سيكون البيت الذي سأسكن فيه قادمًا أم علىّ البحث عن بيت مؤقت حتى أستطيع أن أبنيه على مهلي؟. وهذا يطرح أسئلة أخرى متعلّقة برسالتي، والرؤية التي أريد أن أدعو إليها….. هل بإمكانها انتظار كل هذا الوقت، أم عليّ أن أبحث عن حلول أخرى؟…………”.

مقالات ذات علاقة

حوار مع كاتبة رواية “زرايب العبيد” الليبية

المشرف العام

الحياة الثقافية تحاور الشاعر مفتاح العلواني.. الذي أتى للشعر من أقصى الروح

حنان كابو

الباحث الليبي الدكتور عبدالمنعم المحجوب لــ «الشروق».. الدار العربية للكتاب ستستعيد دورها …. وعراقتها انقذتها من الانهيار

المشرف العام

اترك تعليق