سيرة

أحمد الحريري أخر الرومانسيين الليبيين «.. فتنا النخل والديس / وتعدينا / لحقنا الندم / ياريتنا ولينا»

مات أحمد الحريري بعد أن أضناه الهجر وبعد أن أتعبه المرض وبعد أن لم يعد ثمة” لا حوكي ولا حرايري”، مات أحمد الحريري بعد أن فات الديس ونسي منديلها الوردي، مات أحمد الحريري لكن مؤكد أن أغنيته لن تموت.

• الطريق إلى الحريري

كنت ولدا صغيرا معجبا بنفسه ككل مراهق مختال، كنت أكتب، وقبل كنت أول شخص في تاريخ عائلتي يفك الخط. نشر لي في باب القراء؛ أخذني الزهو، وعددت نفسي صنوا لسلامة موسي الذي كتبت مقالا عنه، أشرح فيه آراء هذا الكاتب الذي أسرني أسلوبه، كما كانت عناية يوسف القويري بما يكتبه سلامة موسي مدعاة لأن أكتب عنه، ثم أني نشرت وعمري ستة عشر سنة مقالا بجريدة الحقيقة تحت اسم نسائي رد عليه ابن الطيب معتقدا أن الكاتبة امرأة.

هكذا خبلت بهكذا كتابة، وتحت أسماء نسائية وأسماء رجال مستعارة، غير كتابتي باسمي في تلك المرحلة الأولي من مراهقتي. والسنة التاسعة عشر من عمري كنت صحفيا، في جريدة الجهاد التي رئس تحريرها المهدي المطردي، ثم لما أممت صار رئيسنا محمد الشويهدي.

في هذه الجريدة سوف ألتقي الفلسطيني قاسم حماد؛ مراجع الصحيفة الذي كان يقوم بهذا الدور في جريدة الحقيقة،علي يد هذا الرجل سوف يُنحر غروري، وبهذا تم تمريغي في العمل الصحفي، وأذاقني هذا العجوز ويل الصحافة، ليس أقلها أن يتم نشر مقالاتي من غير اسم البتة.

قد أفقدني هذا براءتي الأولي وغدوت دون هوية، من قلب هذا قلبت طاولة اللعبة التي ألعبها، وكانت البلاد قد غدت لازمتها عروبية، ولا بد أن أعرف نفسي بـ”عربي ليبي”، أما عربي فقد تكفل بها الإعلام الرسمي من خطب ومقالات وتعليقات إذاعية، من الصبح؛ كانت إذاعة” نص الليل”، كما سمينا إذاعة صوت الوطن العربي، لا نسمع غير الزعيم العربي جمال عبد الناصر وأناشيد عبد الحليم حافظ، حتى الأغاني التي يكتبها شعراء أغنية ليبية تكتب باللهجة المصرية، وكذا يغنيها مطربون ليبيون.

أما الليبي فابن سفاح لا أب له. فتشت في الدفاتر عن الليبي هذه في ذاكرتي: الليبي الصغير مجلة للأطفال؛ كانت ملحقا تصدره مجلة ليبيا الحديثة يوم كان صالحين نتفة رئيس تحريرها. لكن هذه عمرها كان قصيرا؛ ما إن صدرت حتى قبرت.أخذت أسوح وأجوس، أدور كثور الساقية حول نفسي؛ هذه الأناشيد اليعربية لهجتها مصرية، وهذه الأجواء مصرت كل شيء، حتى وجدتني لا أطيق نفسي بين ما أسمع وأري وبين ما أعيشه مع أمي وفي بيتي.

في حيرتي عشت وهم أن أحب؛ أي وهم كي أجد خلاصي من هذه”البرباقاندة”: كيف يكون المرء عربيا دون أن يكون بنغازيا، أو من الصابري حيث الحي الذي ولدت وأقطن فيه، فما بال الليبي هذه مستعصية علي، وكأن لا معنى لها وأنها مفردة مفارقة ذات دلالة ميتافيزيقية.

كان لابد للتعبير عن حبي بلهجة ذاتية، من حشا القلب؛ وليس من طريقة غير مطرب الحي وإن لم يطرب المرحلة، مرض الحب هدَّ حيلي فأصبت بأنفلونزا ليبيا.كتمت العروبة الرسمية أنفاسي، فداهمني الحب ولم يشتد عودي بعد، ومن المرض وجدت خلاصي بهذه الأنفلونزا العليلة التي اسمها ليبيا؛ وهي إلاهة من آلهة الإغريق الليبيين، كما علمت من أساطير اليونان. هكذا تحررت من عصبية وعصبة العروبة، فاندلق لساني بلهجة من لهجات عربية متعددة وغنية. وفي الأغنية الليبية وجدت لساني العربي كمثل عصافير طليقة.

بلدي وما بلدي سوى حقق الطيوب
ومواقع الإقدام للشمس اللعوب
أيام كانت طفلة الدنيا الطروب
فالحب والأشعار في بلدي دروب
والياسمين يكاد من ولهٍ يذوب، ولا يتوب
الناس في بلدي يحيكون النهار
حباً مناديلاً وشباكاً لدار
والفلُّ يروي كل ألعاب الصغار
فتعالَ واسمع قصة للانتصار ..
للشعب
للأرض التي تلد الفخار
تلد النهار
الليل في بلدي تواشيح غناء
وقباب قريتنا حكايات الإباء
وبيوتنا الأقراط في أذن السماء
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
كرم وفاء.

هكذا وجدت الليبي، وهكذا تكلم علي صدقي عبدالقادر فيَّ. هكذا انطلق لساني يوم التقيت حبيبتي تحت جدار نافذتها، ذات مساء ربيعي في عام من سبعينات القرن العشريني، في زقاق يطل آخره علي البحر المتوسط، وأول الشارع يمتد من بحر الرمال الليبي.

كانت الأغنية من فك لساني؛ والفن هو الحياة وطراوتها، فاتخذت من الفن ديدن النفس ومعبدي دون صروح. وهذه الأغنية الشجية التي تتوشح الرومانسية، في رهافة تصد عني عجاج المرحلة.

• الحريري في القلب

وكان بيت أغنيتي هذه؛ بيت أحمد الحريري كاتب الأغنية الليبية الأبرز من وشَّى وشكل وجداني. وأصغي لمطرب الحريري المفضل من تغنى بكلماته سلام قدري.

لم أفكر في هذا كله. كنت مأسورا بخطاب عروبي صلب وصلد، ففكت الأغنية أسري، وجدت في أغنية الحريري نافذة أطل منها على العالم، بمحبة تبدو في جوهرها صوفية إسلامية سكنت نفسي يوم كنت طفلا، فصبيا يرتاد الزاوية كي يمدح الرسول في” البغدادي”، مرددا مع صبيان مثلي في المولد النبوي: صلاتك ربي والسلام علي النبي.

التقيت أحمد الحريري وجها لوجه في بنغازي؛ حيث جاء وزوجته فاطمة محمود ليسجلا حلقة من برنامج مرئي، أظنه”فكر واكسب” أو شيئا مثل هذا.

رقة تجرح وسلاسة تغيض فتىً أهوج، معجب بعنفوان نفس شرسة تعارك الكون؛ هي نفسي لحظتها، خبلني الرجل بنعومة طرابلسية، في ملمس الحناء على يد عروس في عمر الزهر. وكنت أتوق للطيران، والرجل كأنه طير يضمه قفص لكنه لا يحبسه:

لم يسجن القفصُ
عصفورَ النار.
روحُ العصفورِ
الطليقة
أحرقتْ القفص.

خالجني شعور سجين تذكره القصص: مرة انزعج سلطان من صديق له، لم يعرف أن مصادقة أهل الملك تؤدي للتهلكة، الصديق غير العارف لذلك أغضب سلطانه فأمر بإيداعه السجن، كعادة سلاطين ذلك الزمان، لم تفته الحكمة وهو يعاقب جهل الصديق، فقال سلطان الزمان ذاك لصديقه من صيره جهله سجينا: إن تمكنت من الخروج من زنزانتي فأنت حر. مر الدهر كساعة وصابَ العجز السلطان كما صاب صديقه؛ سجينه. لم ينجح الصديق، ولم يفك السلطان أسره. ولما كان الدهر فعل أفاعيل؛ داهم الغم السلطان فتذكر سجينه، بعد عقدين ونيف. ذهب بنفسه، ومن كوة للتنفس سأل سجينه لما لم تفر؟. أجاب ما أبقى الزمان من السجين: لم أستطع.

في صوت أوهنه مفرق الأحباب: هل تعرف أن طير الحساسين إن أسر فرخها، تحوم حوله حتى تتمكن منه، ثم تخلب روح فرخها. السجين غير العارف لم يجب، لكن السلطان، وما سلطان غير الله، نهره: ماذا كنت فاعلا والدهر يأخذ بخناقك. أجاب السجين غير العارف: كنت أدفع الباب حتى حرثَ الأرضَ. قال السلطان أسفا هذه المرة: لو كنت صديقي لعرفتني، وكنت جررت الباب إليك، الباب لم يغلق أبدا. دفع السلطان الباب فهوي في الحفرة، التي حرثها السجين وهو يحاول الهرب، وآخر ما سمع كان الصوت الواهن للشبح الصديق: كنت أحفر قبري دون أن أدري. سكت الرواي، وفي نفسي نهض رواة.
هل كنت ساعتها والحكي يموج في، أرقب ما فعل الدهر بأغنية الحريري، التي كانت تهمس نفسها ساعتئذ وطبل المرحلة يمور.

في السنة التالية أخذني طموح الصحفي إلى طرابلس، هناك في بيت أحمد الحريري صبغت أغنيتي كما يصبغ المتوضئ وضوءه. وبأم عيني، شاهدت أغنية الحريري تقول نفسها، دون مماحكة ودون بحث، ودون انتظار، كانت الأغنية تطرق قلب الحريري المخملي والذي دعكه الوقت.

تربي في حارات اطرابلس القديمة، وفي رواية كتبها “وجدت في عيونكم مدينتي”، وطبعت في بيروت، واحترقت كل نسخها في بيروت 75، ولم يتبق منها غير ما كتب عنها من نقد، في هذه الرواية المحروقة ذكر الحريري: ساعة ولدت لم يكن أبي في البيت، كان في خمارة يتعاطى البوخة، حين زف له الخبر، جاء والسكر يتعتع صوته وجسده. اخترق البيت كما اخترقته الشوارع التي أوصلته بأن كانت مسنده؛ وقف حيث وضعت مقمطا، ولا حيل لي ولا حيلة لأحد كي يصده عني، فتح فاه الذي جمع فيه لعابه المخلوط بالبوخة، وسكب الخلائط في فمي. قيل لي، كان ذلك عقب أول رضعة من حليب أمي، وثاني ما ذقت في البدء.

اختلط هذا بوحل شوارع المدينة القديمة، مع خلائط من طرق النحاس عند القزدارة الطرابلسية، وأنين دفوف الزوايا العيساوية، وباز المالوف، وتواشيح ومدائح، وروائح السفنز والزلابية، ومطعم برعي، الذي افتتح في نهاية القرن التاسع عشر، وكان زيت هذا: البوخة المشروب الشعبي للمدن الليبية.

حين دخلت بيت الحريري، كان حوكيا يغزل حرير الكلام وقد خبلته المرحلة، لم يفقد مشيته لكن الطرق غير المعتادة توهته، صدى الحرير يضطرم في نفس صخبتها الطبول. غدت أغنيته المهموسة بائتة، تعافها النفوس التي عفرها العجاج وغطاها غباره.

أغنيته تفوح بمشموم الفل، والمرحلة تفوح بالنفط ، هكذا استطاع النفط أن يقلب الموازين حتى صارت رائحة عمر المختار– شيخ الشهداء الذي وضعت صورته علي العملة الليبية- فائحة بالبنكوت. وبهذا ذهل الحريري عن أغنيته كما ذهلت أغنيته عنه. توج الطبل الميكرفون وقبر الطار والعود. وبقي قلب الحريري فسحة للأحباب وبيته مقام العود الذي ينوس ليراه من يرى فحسب، مرددا اللازمة الشعبية: فتنا النخل والديس / وتعدينا / لحقنا الندم / ياريتنا ولينا.

لقد تكشفت العروبية كما لم تفعل تراجيديا غيرها، لقد تبدد ريحها، ولكن وقد تعرت المرحلة تعرى كل شيء وغدا اليوم دون أمس.

_______________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

الشيخ محمود صبحي، نسيج طرابلس

عزة المقهور

ما حدث لمكتبة الفرجاني

أحمد إبراهيم الفقيه

في ذكرى ميلاد (عقاد ليبيا) على مصطفى المصراتي

سالم أبوظهير

اترك تعليق