قصة

أحــبــك

من أعمال الفنانة التشكيلية “مريم الصيد”

استمعت لشريط مسجل عن تأثير كلمة (أحبك) ومدى أهمية أن نصارح أحبتنا بها، فتلعثمت قبل أن تنطقها ثم باتت ليلتها تكررها وتعيد حفظها وقد عزمت أن تجرب سحر مفعولها أول الصباح.

ليلتها جفاها النوم وهي تتخيل سيناريوهات مختلفة لوقع (أُحبك) عليه، تقلبت كثيراً في فراشها وهي تنتظر الصباح بفارغ الصبر حتى غرقت في سبات عميق، و مع آذان الفجر استيقظت مذعورة خشية أن تكون قد تأخرت عن موعد استيقاظها المعتاد، استغرقها الأمر ثواني، ثواني مرت كسنوات حتى استطاعت إيجاد هاتفها المحمول لتدرك أنها استيقظت أبكر من المعتاد.

تبسمت بنشوة وكأن سحر أحبك قد سرى مفعوله مع ذرات زفرات الصباح.  وهي التي اعتادت شعورا مشابها لهذا الانتشاء ولكن رجحت أن يكون ما تشعره ليس نسمات الصبح النقية التي تعشقها وإنما هو سحر المحبة. بنظرها كل شيء مختلف اليوم وكأن نكهة الحب قد تغلغلت في كل ما حولها.

مر الوقت بطيئا حتى حان موعد إعداد الفطور المعتاد، حضرته كما اعتادت، وقع على مسامعها الضجة القليلة الهادئة التي يحدثها عادة وهو يهيئ نفسه لروتينه اليومي، خرج بهدوء يفتقدها في أرجاء المكان فطلعت عليه بتحيتها المعتادة. ورد عليها وبطريقته الفريدة كما جرت العادة.

ناولته كوب الماء وهمت أن تقولها له، ثم يجري على لسانها سؤالها المعتاد عن حاله ويسائلها عن آخر الأخبار، يجلس في ركنه المعتاد وينتظر أن تأتيه بإفطاره بينما يهيم مع أفكاره ليراجع جدول مهامه الروتينية، وأحيانا يترنم ببعض أبيات الشعر أو يتغنى بأهازيج شعبية.

ناولته ما يُمِّد جسده المناضل بطاقة تكفيه أداء مهامه بنشاط وحيوية. ثُم اقتربت هوينا فلم يعرها الكثير من الاهتمام. جلست وكأنها تريد أن تهم بلفظ تلك الكلمة التي غصت بها. أحس بها، رمقها بنظرة استغراب كادت أن تغشيها خوفا، ترددت ثم همت بفتح مجالٍ لحديث، ولم تنتظر كثيرا لإنه بادرها بسرد وابل الهموم، المزرعة و الأغنام و موسم سرقة أضاحي العيد وانقطاع الكهرباء وجفاف محاصيله و تأثرها بحرارة الجو. ثم هم بالمغادرة وهو يخبرها أنه لم يعد شابا ليشرف على كل شيء حينها تسأله:

– هل أذهب معك؟

فيرد عليها؛ بأن لا شيء يمكنك القيام به، فترد بسرعة:

– أريد أن أتمشى.

يردُ:

– لكنني سأتأخر.

فتجيبه بأن لا مشكله. حينها تدرك أن لـ(أحبك) مرادفات، لا ننطقها فحسب بل نترجمها اهتماماً واحتواءً وحضوراً، كلٌ يبوح بها بطريقته، يقولها لها بتخصيصها بلفظ يَمَّا كلما ناداها، ومراقصة حروف اسمها بطريقة لا يستعملها إلاه، وتقولها هي بمؤانسته ومصاحبته برا ورحمة. لكلٍ لغته، وكلٌ يقولها بطريقته.

ويبقى هو الحب ذاته وإن اختلفت حروفه، وتعددت ترجماته.

مقالات ذات علاقة

مُدرّسُ خُصُوصِي فِي ميْدانِ القَادِسيّة

محي الدين كانون

مارد النار

المهدي جاتو

تـعـوّد

مفتاح العلواني

اترك تعليق