المقالة

أجيال المدينة

Heap of Faces 2020 Adnan Meatek Ink On paper 32 x 42 cm ركام من ملامح سابقة 2020 عدنان بشير معيتيق


بنغازي وذلك الحي. متلازمان على الدوام. عنوانان لمشهد واحد. لمدينة واحدة. المدينة تتثاءب ثم تصحو وتفتح عيونها للشمس المجيدة كل يوم. طرقاتها تدب بالحركة وتضج بالناس. والمقاهي تتصاعد منها أبخرة القهوة والسحلب في أيام الشتاء. والسحب تركض في الأعالي والسماء تمطر وتسيل الغدران بلا توقف.

كان ثمة جيل بدأ ينمو في الدروب ويظهر ويلوح بأحلامه ويتنفس. جيل بسيط ومتواضع وفقير في أغلبه ينهض كل صباح عبر تلك الدروب في المدينة الصغيرة. جيل آخر ينمو ويحلم بالحرية والانطلاق. يكمل جيلا سبقه من أيام رماد الحرب والجوع. جيل يمثله بعض شباب المدينة الذي يقدم نفسه بخجل في زواياها ومقاهيها وعتباتها. لم يكن المجتمع في المدينة وفي الوطن كله يعرف الطبقات أو الفئات أو المراكز المختلفة.

جيل تشكل عبر رواد المعلمين الليبيين والعرب من مصر وفلسطين والأردن في مدرسة الأمير والثانوية ومعهد المعلمين. المنهج المصري. وموجات الإذاعات المصرية القريبة. والمركز الثقافي المصري. جيل لم يكن بمفرده ولكنه يكمل جيدا من سبقه وإن اختلفت الظروف لكنها اتفقت في كثير من الأبعاد والأطراف.

بعض هذا الجيل، إن لم يكن أغلبه، في الواقع أبصر معالم الفقر الكبير. وفقد الوالدين أو أحدهما. بعضهم عاصر السكن في بيت واحد مع عائلات أخرى. كل عائلة تقطن حجرة. بعضهم تمتع بحب رب الأسرة. وفي المجمل لم يكن الآباء يمثلون (أفندية) أو (أغنياء). كانوا عاصروا حروبا وقهرا من نوع آخر وشاركوا فيها ونزحوا خارج المدينة ونالهم التعب والجوع وحلموا بالاستقرار.

عضهم كان تاجرا. أو معلما. أو بناء. أو عاملا في الميناء أو صاحب ورشة بسيطة أو موظفا في الدولة والإدارة الناشئة حديثا. كانوا في النهاية يمتلكون انتماء ومحبة للوطن. شارك بعضهم بالحماس والفعل والهتاف في حركة الوطن سنوات الأربعينيات. المظاهرات. رفض الوصاية والتقسيم. عودة الأمير المنتظر. الجبهة. الجمعية. الأمم المتحدة. الجهود المخلصة. ثم الاستقلال. من هذه المعاناة والأسباب والتفاصيل انعجن الجيل الأب في التراب. كان صعب المراس والتكوين بعض الأحيان. ورث الجيل الابن بعضا من هذه المعاناة والصفات واكتسب المعرفة بالفطرة من ذلك الجيل، غير أنه أقبل على الثقافة والتعليم رغم قسوة الظروف بتشجيع من أولئك الآباء الذين فقدوا في معظمهم هذه الفرصة أيام الاحتلال الأسود.

جيل نهض من جيل. وهنا صار شباب المدينة عنوانا للشوق إلى المعرفة. يقرأ الصحف والكتب ويحضر المحاضرات والندوات ويستمع إلى الأغاني وخطب الزعماء وينتمي للحركة الكشفية والأندية الرياضية ويسهم في العمل التطوعي ويدخل دور السينما متابعا لآخر الأفلام العربية والأجنبية ويتأثر بفنانيها ويتابع أخبارهم. ويشارك في أنشطة المدرسة الرياضية والثقافية. كان المعلمون يحترمون الموهبة ويشجعونها ويدفعون بها إلى الأمام: مصطفى القرقوري وخالد الغناي والسنوسي الدغيلي وحسين بوحليقة وعبدالرحيم جبر ومحمد جحا وأبوبكر الهوني وعبدالسلام قادربوه.. وغيرهم كثير في مدارس المدينة الأخرى.

كان طموح شباب الجيل لايتعدى إكمال الدراسة والانغماس في بناء الوطن. الحلم كان أن يكون أحدهم معلما أو ضابطا في الجيش (البوليس لم يكن حلما!) أو طيارا أو طبيبا. البعض عجز عن تكوين هذا الحلم أمام الظروف الأقتصادية لأسرته فترك التعليم واتجه للعمل، وكانت تلك فرصة أخرى جعلته مثقفا يتابع ويقرأ ويكتسب أيضا لغات أجنبية. طموح تحقق بالاجتهاد والتثقيف الذاتي والكفاح والصبر.

وكان الجلوس في المقهى في الصباحات أيام العطل أو في الأماسي لحظة نادرة للحكايات والنقاشات والحديث عن آخر الإصدارات التي وصلت إلى المدينة. شبابها شكل صورة من صور الوعي والتكوين.

سوق الحشيش.. ذلك الحي المتحرك والفاعل الذي لاينام كان ظاهرة وسط المدينة وأحيائها في الحراك والنضج. كان قنديلا زيته ضخ الكثير من المواهب. كان هناك علي عميش وطالب الرويعي ويوسف الدلنسي ومفتاح الشارف وخليفة الفاخري والشيخ إمحمد الفيتوري وأبوبكر الهوني وحسين مخلوف وأنيس السنفاز.. وغيرهم أيضا في الرياضة والفن والإدارة. حي تصب فيه كل الدروب والأزقة الأخرى. يتوهج القنديل دون أن يخبو زيته في الليالي. منه تتفرع أزقة وتلتقي وسطه. وكان طلبة الجامعة يرودون الحي ويعقدون الصداقات والتعارف مع هؤلاء جميعا. ولم تنفرط تلك العلاقات سوى بالرحيل أو بالدراسة في الخارج.

سوق الحشيش وجوه وحكايات. وصور في الظل والضوء. دروب وأزقة. الطريق إلى الضريح. نظارة المعارف. مدرسة التجارة. معهد المعلمين. مدرسة الأميرة. مدرسة الأمير. المدرسة النموذجية. معهد دي لاسالي. مقر المكتبة المتجولة والوسائل السمعية والبصرية حيث انطلق منها لاحقا فنان عظيم هو محمد الزواوي. والمطبعة فيما بعد. كانت مبنى للمحكمة. الجلسات ونداءات الحجاب ومرافعات المحامين والقضاة والأحكام.

كان السوق تقع جواره أو تحتويه هذه المعالم وأغلبها مدارس كأن ثمة علاقة وطيدة ودالة مابين السوق والتعلم والمعرفة. وظل حلم الشباب أكبر من طموحاته وأكبر من لهاث أنفاسه وكان كل مقهى شاهدا لثقافات ولقاءات وخصومات دون حقد. ويتفرق الصحاب آخر الوقت لتجمعهم مربوعة أحد الأصدقاء أو رحلة نحو الباكور أو القوارشة. وأصداء الوعي والثقافة والفكر ما تتناوله الصحف والكتب والأشعار والأغاني ودروس المعلمين الرواد وخطب عبدالناصر ومباريات الهلال والأهلي. تشكل الوعي القومي. ظروف المنطقة والعالم. وتبرز التحاليل والآراء ثم لاحت الجامعة معلما جديدا ورائعا ينهض مع الأيام ويحتوي في أركانه بعض هذا الجيل الحالم والواعد. ولم تكن الأحزاب والتنظيمات حلما إلا لدى البعض.. انضوى وعرف كل شيء على حقيقته وثمة ملاحقات وتحقيقات. وفي المجمل حقق الجيل حلمه في رغبته الخاصة دون قيود.. أو حدود.

جيل وسط في سوق الحشيش وماحوله. في بنغازي. بين أجيال مرت ثم تواصلت وتشكلت.. أسماء عديدة. إقدورة البعباع. رجب بريبش. مصطفى سعيد. علي الروكلي. إرحيمه النيهوم. محمد شمام. محمود شمام. عبدالحميد البرعصي. عمر الأثرم. يونس البرناوي. علي الرويعي. محمد محمود زيو وغيرهم.

جيل انتمى للمدينة. احترم سابقيه. لم يتعصب في انتمائه. اختفت الجهوية والقبلية. وكان أن التحق بصفوفه مجموعات من شباب الوطن البعيد والقريب. من الشرق والغرب والجنوب وتواصلت العلاقة الإنسانية والفكرية وظل الحلم في الصدور يرنو لتنوير الوطن ونهضته ويعشق الانتماء إليه. يفرح لتقدمه ويحزن لتخلفه وشده إلى الخلف. ورغم أن هذا الجيل وسواه التقطه مع أذنيه ذلك الخطاب القوي السائد تلك الأيام في المنطقة كلها حول الوطن لكنه ظلت في المطلق أقدامه راسخة في أزقة المدينة ودروب سوق الحشيش. يدرك أن لوطنه تاريخا ورجالا وتراثا وشخصية وأغاني وكيان لابد أن يحافظ عليه بلا انقطاع ويفخر بالانتماء والانتساب إليه.

شاهد هذا الجيل التغير الذي طرأ من خلال النواحي الأقتصادية والاجتماعية وحدثت له الصدمة الكبيرة. ظهور البترول الذي سبب صدعا في النفوس والجدران وبدل الكثير من الطبائع والأعراف. هذا التغير كان في المظاهر ولم يلامس العمق. ظل العمق ذهبا خالصا يحتاج إلى الاستكشاف والبحث والصقل. كان الرخاء مدعاة للتكاسل والارتكان إلى الخارج في كل شيء والهروب إليه في كل الأوقات.

جيل لايغادر الضوء أو الظل. بدأت حبات مسبحته تتبعثر إما بالهجرة التي لاعودة منها أوبالصمت والابتعاد أو بالرحيل الأبدي الذي لامفر منه. لم تعد هناك طموحات حتى لدى الأجيال اللاحقة. تكسرت الأحلام وضربت وأضحت محض خيال لاغير. ولم يصمد أغلبهم أمام ذلك الرحيل. في الشهرين الأخيرين تواصل غياب أجزاء كبيرة منه دفعة واحدة.. إقدورة البعباع. عمر الأثرم. علي الرويعي. محمد زيو. لحقوا بمن سبقهم في الرحيل المؤلم الذي لامفر منه!

جيل لم يكفر بقيمه وإخلاصه. ظل يحتففظ بها في الصدور. جيل شباب المدينة ذات يوم الذي كان مثلا من أمثولات الانتماء الرائع والجميل ودون تعصب كريه لعوامل المرض التي انتشرت وبدأت تشد إلى القاع.. بعد وقدات نقاط النور الباهرة التي غطاها سواد الإظلام.

جيل لايستحق الرثاء الحزين. لكنه يظل جديرا بالإعزاز والتقدير. جيل لم يتنكر لأحد كما حدث عند جيل لاحقا شرع يضرب صفحا وبقوة عن تاريخ مضى فيه جوانب مشرقة. جيل لاحق لما سبقه سيظل تائها حيران في وسط دروب المدينة.. وسواها من المدن المترامية هنا وهناك!!

مقالات ذات علاقة

حدائق التاريخ ومزابله

سالم العوكلي

ليبيا … إنها وطني

حسين بن مادي

رحلة إلى لبنان

مهند سليمان

اترك تعليق