قصة

أجـداب !!

-( ولكنى لا اشربها.. لا أحب القهوة.)-

-( لكن الطالع يسكنها.. لن ترى وجهك إلا في قعر فنجان.)-

-( أراه في المرآة وهذا يكفى.)- المرآة لا تريك إلا ما ترغب أنت برؤيته.. لكن طالعك لا يعبأ بك.. انه يحدث كل يوم.. يتجدد.. يبرم الصفقات.. يبتسم أو يعبس

وجهه..قد يهزل حتى يصبح كأطفال المجاعات وقد يموت من الشبع..هل تعرف إن طالع المرء قد يموت ؟.. أعرف شخصاً مات طالعه.. يقولون انه انتحر أو غرق فى قعر فنجان قهوة.. لا فرق.. المهم انه اصبح بلا طالع.. لذلك لم يتحرك خطوة واحدة.. حفر لنفسه قبراً يليق برجل بلا طالع ومات فيه.

وشربت.. خفتُ من نهايةٍ مماثلة فشربت.. وكان طالعي يسكن القعر.. حمدت الله انه لا يزال حياً.. لكنه كان يرفض الخروج من مكمنه.. حاول العراف.. بذل جهد الجبابرة.. استعان بالجن.. سّخر المردة.. وداخل فنجاني اندلعت الحرب الكبرى..تدخل الجن وبجميع الألوان.. الأحمر للقتال الشرس.. والأبيض لمحاولات الإقناع الودية.. والأصفر لبعض التهديد.. والأزرق لارتكاب المجازر.. تعالت سحب البخور.. دمدمت الهمهمات الساخطة وُدقت الطبول.. واصبح قعر ذلك الفنجان ساح-ةً حرب حقيقية.. لكن طالعي المكابر ظل معتصماً بقعره محتمياً بصمتٍ أزلي لا يموت. وهكذا كان.. قُتل طالعي.. أصابته صاعقة طائشة من مارد في سيفه الكثير من الرهق.. سكت كل شئ ووضعت الحرب أوزارها.. غادر الجميع وبقيت أنا.. وحيداً لا اشرب القهوة.. متعباً احفر بهمة لا تفتر قبراً يليق برجل بلا طالع.

اضطجع بساط الرمل.. تمدد.. امتلأ تماماً بالوهج الذى يهطل من تلك الشمس المتكبرة.. تنفس الريح الساخنة وتقلب فى كل اتجاه.. نهض فى هذا الركن كثيباً متواضع الطموح وتسلل هناك سيفاً مخادعاً وهبط فى جزء آخر وادياً من جفافٍ لا يرحم..عبثت به القبلى.. ناوشته.. نشرته ملاءات من غبارٍجاف.. لكن تلك الغيمة البعيدة أقبلت :

– إذا كنت محظوظاً ستمطر.. إذا كنتُ اقل حظاً ستحجب عنى الشمس لبعض الوقت.. أنا الرابح على أي حال.. قال بساط الرمل.. انتظر.. راقبها.. تأملها بلهفة.. بجوارحه كلها.. بذرات رمله الملتهبة.. هناك.. فى الأعلى.. تهادت الغيمة.. تغنجت كامرأةٍ لعوب.. اقتربت قليلاً من قرص الشمس النارى.. تأهب البساط.. تحفز.. داعبته الأمنية البعيدة وتراءى له السراب.. ابتعدت.. تراجعت بعض الشئ فامتلأ بالحسرة لكن شيئاً من الأمل ظل يسكن خياله.. مر الوقت.. يوماً بعد يوم.. سنة بعد سنة.. والى الآن لا زالت تلك الغيمة المتمنعة تلعب بأعصاب ذلك البساط القاحل فيما يناوشه القبلى وينشره ملاءاتٍ من غبار جاف.

.. أغلق البئر فاه.. تكرمت السماء بالمطر طيلة اسبوع كامل لكنه آثر العطش.. -(هذا لا يجوز..)- قالت السحب الحبلى بالماء : —

-(البئر لا يغلق فمه.. البئر لا يملك إلا أن يشرب لكي تشرب الدنيا منه.)- أصر على عناده.. خالف النواميس وضرب بالمتعارف عليه عرض الحائط.

-(هذا مجرد خطأ شائع.. البئر ليس مجرد حفرة بلهاء.. أستطيع أن اغلق فمي على الأقل.)-

قال البئر والعناد يسكنه.. تشقق بدنه وتسلل إليه الوهن حتى إن العناكب الوضيعة تطفلت على أركانه المظلمة.

-(هناك بعض الحلول الممكنة.. الرشوة قد تصنع المعجزات..)- اقترحوا على هذا البئر العنيد ان نبعث له بحسناء تستقى منه وعاشق يناوشها بغزلٍ لا شبيه لروعته.. يتحاوران على حافته كل يوم ذات يوم.. يفوز البشر بالماء وينعم هو بالخلود.. اقترحت الريح.. فكر البئر بالأمر.. استعرضه من جميع الوجوه

-(يقصدنى العشاق وتغادرنى العناكب وفوق ذلك انعم بطول العمر.. عرض لا بأس به.)- وافق البئر بنية حسنة.. فتح فاه.. امتلأ بالماء العذب.. اصبح البئر المهجور سابقاً واحة يتعانق فى سمائها النخيل ويتمدد على جسدها العشب الأخضر.. لكن عاشقاً واحداً لم يقصد البئر.. همسة واحدة لم تداعب سمعه القوى.. كان التجار يتوافدون عليه معظم الوقت.. يتجادلون بأصوات عالية.. يعرضون بضائعهم.. يقايضون.. يحصون أموالهم الوفيرة.. يمدحون الربح اويشتمون الخسارة.. يتقاتلون.. يتقاسمون النفوذ.. يغتالون بعضهم غيلةً ويبيعون جمالهم الصابرة بأسعار لاتُنافس.. يملأون النهار بالجلبة والليل بالآثام.. ذات صباح عُثر على البئر ميتاً رغم وفرة المياه.. والى اليوم لا زال السبب مجهولاً.. لكن الثابت والمتوارث الى يومنا هذا ان التجار لم يفوتوا الفرصة.. باعوا احجاره الى هواة الآثار ومياهه العذبة الى القوافل المارة فيما لا زالت الغيوم تُمطر جثته بالمزيد من الماء العذب وتدعو له بالرحمة لي-ل نهار.

-(موت جمل!!)-

كابر الجمل.. تجمل.. ارتدى قناع الصبر.. دفن عطشه القديم ومضى.. مارس الكذب ألف مرة : -(أنا الجمل.. سيد الصابرين وسفينة الصحراء.. خُلقتُ للعطش.. للسنين العجاف.)- صدّق الكذبة وظل يحفر بخفه العريض وشماً غائراً على وجه بساط الرمل المضطجع بلا نهاية.. كان يبدو مهيباً فخماً كملوك الجن.. غامضاً ككل الأساطير.. هذا عن الخارج.. إما في داخله فقد كان العطش ينهشه بلا رحمة.. تخيل جرعة ماء.. زين له الوهم واحةً هادئة مترعة ببحيرة عذبة المذاق تنحني عليها بضع نخلات مكابرات : —

-( اشعر بالعار.. ها أنا أقع ضحية للسراب الخادع.. لستُ جملاً أصيلاً.. يخامرني الآن شك في نقاء سلالتي.. ربما ولدت من رحم ناقة سيئة السمعة.. )- قاتل الله سوء الظن.. استبد به العطش ومدت له الصحراء لساناً من نار : —

-(لستِ أماً لأحد أيتها القطعة من جحيم..ألا تقول الروايات إني ابنك ؟. سفينتك ؟ أتبخل الأم على جنينها بقطرة ماء؟)-

عجز عن المسير.. توقف.. جال بعينيه الحزينتين في الفضاء الساكن.. خمسون يوماً كاملة مرت دون أن يشرب.. دون أن يشرق بالماء الزلال.. دون أن يغوص برأسه العجيب مستشعراً برودة الماء العذب : –

– للماء العذب برودته المميزة.. انه يحتويك.. يحضنك ويقبل روحك بحنان تعجز عنه أطيب الأمهات.. عندما تستنجد به من وهج الرمال الملتهبة فانه يتحسسك بأنامله الرطبة.. يسقيك من بدنه الرقراق.. يبعث فيك حياةً جديدة.. لكنه يتركك بعد ذلك مذعناً لقانون الصحراء الصارم.. العطش أزل والارتواء عبور.. العطش أزل والارتواء عبور.. لتسقط نواميسك أيتها الصحراء.

عاد للهذيان وقد فقد تماماً قدرته على مجرد الوقوف :

– كيف تجلس الجمال ؟ كيف تضطجع ؟ الحق إني لم أصادف جملاً معدوم الهمة مثلى.. الجمل الحقيقى لا يحيا فوق هذه الصحراء إلا واقفاً.. انه يضرب رمالها البليدة بخفيه العظيمين ويتطاول برقبته العوجاء على كثبانها المراوغة.. الجمل الحقيقي يتهادى.. يزهو بسنامه الشاهق.. ينظر الى الدنيا من عليائه.. يقترب من السماء ويدوس على الأرض.. هكذا هى الجمال.. تبجح قليلاً.. لكنه سقط.. رغم كل هذه المظاهرة الإعلامية الصاخبة سقط الجمل.. كان العطش يقتله.. حتى انه صار يرى كل ما حوله غائماً رمادياً.. تطلع إلى الأعلى.. كانت الشمس قد تربعت على عرشٍ لا تراه الجمال في العادة.. كانت قد توهجت.. امتلأت بالنار حتى التخمة.. حتى إنها اقتربت من الأرض مستعرضةً جبروتها لبعض الوقت.. عندها أدرك الجمل كل شئ :

-(هي إذن مؤامرة.. مكيدة.. الصحراء تمد يدها للشمس لكي تموت الجمال المكابرة.. فقط لو يسمح الماء.. لو يمد لى يده.)-

تخلى عن أمنيته الساذجة ليواجه السراب الذي تراقص أمامه معلناً عن اقتراب النهاية.. أدرك إن الأمر قد انقضى عندما سكت كل شئ.. انطفأت المصابيح دفعة واحدة وتجرأت ذرات الرمال الساخنة حتى سكنت حدقتيه : —

– الجمل لا يموت عطشاً.. يبدو إنني سأجلب العار لكل جمال الدنيا.. الجمل يموت بعناده.. فداءً لسيده الشجاع.. بمحض إرادته.. لكن بالعطش.. هذا أمرٌ لا تطيقه الجمال.. واصل هذيانه.. لكن العطش لم يتوقف عن الفتك به.. عندها قرر أمراً.. استدعى كبريائه القديم.. استنجد بماضي أجداده الغابر.. أسياد الصحراء ومحترفي الجفاف.. وبما تبقى له من جهد وقف من جديد.. وقف والإعياء يجلده والهلاك ينهشه بنهم.. تماسك لبعض الوقت.. داس على الرمال بخفيه العظيمين وتطاول برقبته العوجاء متهادياً بسنامه الشاهق هامساً في وهنٍ ظاهر:

– هكذا هى الجمال !!

مقالات ذات علاقة

الصـــــراخ

إبراهيم حميدان

الشيخ حمد

عزة المقهور

العـرافـة

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق