من أعمال التشكيلي الليبي محمد البرناوي.
المقالة

أثرياء “بنك الحظ” وأشباح “الوابيس”

من أعمال التشكيلي الليبي محمد البرناوي.
من أعمال التشكيلي الليبي محمد البرناوي.

في بعض ألعاب الطفولة كنا نجسد الطاقة الجبارة التي لا تنفذ، نجري ونقفز ولا يدركنا التعب مهما امتد زمن اللعب، نخترع لهذه المراسم أدوات نحن من يصنعها، لم تكن لوالت ديزني علاقة بطفولة بعضنا، فمن قطعة حجر ملساء مرتّبة الحواف قد يمتد اللعب لساعات لا نمل فيها القفز بين عدد من المربعات المرسومة بعصا على أرض رطبة أو بقطعة من الفحم أو الطباشير على الإسمنت، ومن أغصان الشجر قد نصنع عتادا لجيش كامل، من السيوف والبنادق دون أن نعي الفارق الزمني الشاسع الذي يفصل بين السلاحين.

لم نفهم أبدا هل هو الحظ أو القدرة على الاختباء هي ما تجعل أحدنا يتحول إلى شبح غير مرئي، ليكون الرابح الوحيد للعبة تحب الأعداد الكبيرة والأماكن الرحبة المضلِّلة مثل “الوابيس”، أما في لعبة مثل الحبل المطاطي أو القماشي الذي يمتد بين جسدَي فتاتين فيما تمارس ثالثةٌ القفز بين جانبيه، فلم ننتبه يوما لسوء الحظ الذي قد يلازم الفتاة القصيرة التي تُسهّل مهمة الخصم بجسدها القريب من الأرض، وهي ترى ارتفاع الحبل كيف يتضاعف عندما تتبادل الأدوار مع رفيقاتها.

أذكر جيدا كيف كنا نتماهى مع حياة الأغنياء ورجال وسيدات الأعمال، عندما كنا نتلقى المبالغ الطائلة من “بنك الحظ”، فنشتري المدن والاستراحات ونراقب أرصدتنا وهي تتضاعف، نسافر في سياراتنا الملونة بين المدن العربية دون سواها ولا نعرف شيئا عن الأمم الأخرى، ورغم السلطة والثروة إلا أننا كنا نذهب فورا إلى السجن إذا حكمت علينا محكمةٌ بذلك.

لم يكن الحصول على الدّمى يسيرا وقتها، لكن جمع خمس قطع من الحصى المصقولة ذات الحجم الواحد تقريبا كان كذلك، ومن تملك الأصابع الماهرة وحدها من ستتلاعب بهذه الحجارة وتتلقفها في الهواء بخفة بعد أن تبعثرها في بضع ثوان، زدنا على هذه الخمس قطعتين أخريين وجعلناها أكبر لنكون قادرين على صنع هرم صغير منها، يرميه أحدنا بكرة بلاستيكية أو جورب محشو بالورق، ينهار الجبل الصغير لتطاردنا الكرة محاولةً منعنا من إعادة بنائه.

بنظرة سريعة إلى دفاتر الذاكرة سندرك الظلم الذي شاب طفولتنا، ولم يكن لنا ولا لأهلنا يد فيه، بل هي الظروف التي تفننت في صناعة هذا الثقب العميق في أرواحنا الصغيرة، وبنظرة سريعة أخرى من زاوية أخرى سنلمس الحظ الذي كلل أوقاتنا، بأطراف أصابعنا التي لم تتعرف على الحروف الإلكترونية إلا مؤخرا، لكنها على الأقل كانت تمارس فعل اللعب الذي غلفه الوحل وكساه غبار الدروب الترابية التي كنا نركض فيها حيث تسبح أبصارنا في الأفق الذي لم تؤطره شاشة ملساء لجهاز إلكتروني صغير، ولم تحجبنا عنه أزرار ووصلات وتيار كهربائي يجعلنا نقضي ساعاتنا بين انتظارين، انتظار العودة وانتظار الهروب الطويل.

مقالات ذات علاقة

رباية الذايح سابقا

محمد عقيلة العمامي

مدينة الحب وأشياء أخرى

محمد عقيلة العمامي

ما لا يجـوز التغـني به

زياد العيساوي

اترك تعليق