الكاتب: رضوان أبوشويشة
حوارات

أبوشويشة: أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم

(عن بوابة الوسط)- يكشف رضوان أبوشويشة لنا الكثير في هذا الحوار الذي تأخر نشره سنوات لأسباب عدّة؛ فلم يتم الحوار على دفعة واحدة، بل امتد على فترات متقطعة، وكان علينا أن نتحايل وأن نصبر حتى نظفر من الرجل كل مرة بعدة أسطر لا غير.

‏وعلى الرغم من أن أبوشويشة لم يكن يميل إلى إجراء اللقاءات الصحفية، فإن رفقتنا الطيبة والدائمة شفعت لنا أخيرًا بإكمال هذا الحوار الطويل وإنجازه؛ فقد أضعت مسودته الأصلية في طرابلس إبان أحداث ثورة 17 فبراير 2011، ولكن جمعتني به المغامرة من جديد.

الكاتب: رضوان أبوشويشة
المبدع رضوان أبوشويشة

كيف يمكننا النظر إلى عالمك؟

– التفاصيل مملة إلا إذا كانت في رواية أو نص حكائي أو تشكيلي. سعيت في صباي إلى تعلم الناي وتطريق الحجر في مقلع الحجارة القديم الغائر في جبل سيدي رمضان (راقد الراقوبة) في الكدوة (1). والكدوة هو الاسم الليبي لقريتي العزيزية التي اشتهرت بتسجيلها أعلى درجة حرارة في العالم، وهذا مثبت في كتاب غينيس للأرقام القياسية. أما اسم العزيزية فقد أُطلق عليها في العهد العثماني الثاني. وهذه القرية هي التي نقل إليها موسوليني مئات من المعمرين الطليان مع عائلاتهم، وتظهر الكدوة باسمها القديم في معظم أعمالي؛ فمثلاً في مفتتح مسرحية “حمودة الزاهي” نطل على المنزل بتفاصيله، وهو في الواقع البيت الذي أسكنه مع والدتي (2). وعندما يشتد الحر في مثل هذه الأيام (جرت المقابلة في أغسطس)، أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم. في “ساقية وادي الهيرة” حيث “العناقيد منزل منشور الضوء الذي لا منزل له إلا في عناقيد الكدوة التي أنضجتها حرارة بلغت في كتاب غينيس للأرقام القياسية 136 درجة فهرنهايت”.

النهس يظهر في قصتي “ساقية وادي الهيرة”، مرة اصطدت النهس تأملته في قبضتي ولسبب ما نقر إصبعي وطار. وفي الكدوة أيضًا جرى نهر الهيرة المختفي منذ آلاف السنين. وهيرة هي زوجة “زيوس”. ودائمًا أقود القارئ ليكتشف معي المطار الألماني المهجور منذ الحرب العالمية الثانية وكهوف الكدوة المدمكة.

وفي قصتي القصيرة “فراغ الجيوب”، بعد ليلة من الكلل والملل والرسم نهضت مضعضعًا مبعثرًا مثل عاشق، وغادرت الكدوة إلى طرابلس، مثل مسرنم يمشي أثناء نومه… إلخ. وفي قصة أخرى نُشرت ضمن مجموعتي المترجمة إلى الإنجليزية عام 1978 ظهرت كهذا: (‏and he look at the globe at his large home – land and there saw ‎Tripoli and there was Azziza‏).

وفي لوحاتي التشكيلية، تظهر الكدوة في لوحة “سراب الليل” (3) بشخوص في بياض يهبطون من السماء إلى الأرض أو العكس في لون الماء وضوء الفجر اللجيني حتى يتراءى عبر شفشاف الليل جبل سيدي رمضان. مثل شلّالات أكاكوس التي تتشكل بعد مطر فجائي، وبعد سنين من الجفاف يأتي المطر فجأة، وتتشكل الجداول على ضفاف وادي تشوينت (النهر الجاف) وتتبخر فجأة كما ظهرت فجأة. ورسمتها في لوحة “عام الثلج”، وفي آخر أعمالي في لوحة “شرقي الكدوة”.‏

وعن الرواية يقول أبوشويشة: الرواية تحتاج إلى كاتب ديمقراطي مع شخوصه، وأنا كاتب شمولي مع شخصياته‏‏. ليس معنى هذا أنني أقاتلهم، لكن حاولت دائمًا اغتيال شخصية حمودة الزاهي بالتمزيق في غرفة بفندق في تونس.

ذات مرة عُدت من دبلن، وقد ارتبكت حياتي، بدأت تمزيق رواية حمودة الزاهي، إلى أن توقفت عند الصفحة 19، حيث يقول الزاهي: “عندما تموت شجرة على الأرض، شيء ما يموت هناك أيضًا (يشير إلى السماء)، وخارج هذا البيت غرب كهوف الكدوة المدمكة، تحت طريق جبل سيدي رمضان، عند منعطف مجرى نهر الهيرة المختفي منذ آلاف السنين شجرة المسرحيات. آخر أشجار السنديان تقاوم العطش منذ منتصف عصر الجفاف، عمرها 4 آلاف عام. رأيتها تحتضر. تحدثت إليها بتودد، حاولت إنعاشها. أنقذتها لفترة. ثم ماتت قبل بضع سنين. كتبت الشجرة بغصونها العلوية كلمة (لا). توقفت عن التمزيق، وأعدتها إلى الحقيبة برفق ووقار قدسي، كما لو كانت تذكرة سفر على متن براق الحلم إلى الفردوس”.

 إعلان ليبيتشو

بعد ذلك بسنين، بعد سنوات الغياب، عادت سيارات جمع القمامة إلى الخدمة، وكنت في انتظارها بكيسين كبيرين من البلاستيك، نُفخا بأوراق ممزقة، وما زلت أتذكر سيارة القمامة الأولى العائدة من مهجر الغياب ومؤخرتها تختفي عند النهاية الجنوبية لشارعنا الصغير. وآخر ما رأيت يختفي أكياس البلاستيك السوداء المربوطة بخيوط بيضاء. عدت إلى المرسم وهنا خيَّم عليَّ المأتم، كما لو كنت أمشي في جسد غيري، كالمحموم أفتش بين كراساتي القديمة، وعثرت على نسخة أولى لـ”حمودة الزاهي” تحولت إلى المسرحية التي تعرفها.‏

“رجل هارب من الرواية” كما وصفك منصور بوشناف ، ما رأيك في هذا الوصف؟

‏- عندما كنت مقيمًا في غرناطة جنوب إسبانيا عام 1970، توافرت لي الظروف والهناء والاستقرار المادي والأُسري، وكنت أعيش قصة حب مع زوجتي للسنة الثانية، وكان البيت على هضبة البيازين وعبر مجرى نهر خدارة، على ربوة السبيكة، مقابل قصر الحمراء، وجنات العريف، وفي الخلفية جبل الثلج والشمس (سيرا نيفادا) حاليًّا، كان ذلك البيت الصغير في زقاق القديس أوغسطين، يستقبل القبلة بعريشة العنب، وهناك تسنَّى لي أن أغرس الزهور أول مرة في حياتي، وكانت من القرنفل الوردي، وأساعد الأستاذة المستشرقة خواكينا أغواراس في تحقيق مخطوطة لابن التجيوبي في علم الزراعة، مكتوبة ببحر الرجز، لتسهيل الحفظ (حمار الشعراء) هناك في هذا المحيط كتبت رواية. وقصتي مع الرواية مؤلمة، على الرغم من أنني كتبتها في غرناطة لأشارك بها في مسابقة للرواية أقامتها الإدارة العامة للثقافة، وأرسلتها بالبريد من غرناطة. حُجبت الجائزة الأولى، ومُنحت لي الجائزة الثالثة، فرفضتها رفضًا قاطعًا، الجائزة والنشر، وبعد أن عدت سحبت النص.

بدايات التشكيل

في البداية، بدأت بتطريق الحجر وكنت أرسم وجوه هيئة التدريس بشكل كاريكاتيري، بدأت أرسم بعد الخمسين من العمر، والشاعر الكبير طاغور بدأ الرسم في الرابعة والخمسين وأقام عدة معارض. زوجتي الأيرلندية درست الفنون في دبلن، وفرح ابنتي‏، وهي مخرجة سينمائية، وأستاذة للدراما، تسخر على طريقة الساخر برنارد شو: “أنا عن والدين هما الأغرب في المجموعة الشمسية، والدي يرسم بعد الخمسين، ووالدتي عادت لدراستها الأكاديمية بعد الخمسين”.

عن الشعر

بدأت في بداية الستينات أنشر قصائد كتب عنها النقاد، كما كتب عنها الراحل علي الرقيعي، مبديًا إعجابه بالمضمون، ومنزعجًا من غياب العروض، وكان الشاعر الراحل جيلاني طريبشان يكتب القصة، أبديت الإعجاب بقصائده أكثر من صوره القلمية. وأنا من اقترح عليه حذف الألف واللام من اسمه الأول (الجيلاني). ثم انشغلت بالكتابة الأدبية والرحيل في المدن الأوروبية، متنقلاً من مكان إلى مكان: ألمانيا والدنمارك وأيرلندا وبريطانيا والمغرب ثم إسبانيا.

نصوص مسرحية

مفتتح مسرحية حمودة الزاهي هكذا: “نحن جميعًا نمثل في مسرحية اسمها الحياة”؛ فمسرحية حمودة الزاهي حصيلة عمل طويل مستمر على مدى أكثر من عقد، هي خلاصة التاريخ الليبي بنص درامي، أظهرت فيه، على مهل، فصوص الزمن الذهبي لليبيا ما قبل التاريخ؛ حيث اكتشف الإنسان الليبي العاقل الوعي والفن والدين قبل آلاف من السنين المتطاولة، وكانوا من أوائل الشعوب التي كتبت التاريخ بالفن قبل اكتشاف الكتابة.

ثم حل الجفاف العظيم، حين بدأت الصحراء تتعرى على مهل قبل عشرة آلاف سنة تقريبًا، والذي لا يزال مستمرًّا حتى الآن، فهاجر الناس إلى مصر وغرب أوروبا في منتصف عصر الجفاف، الذين بقوا وعاشوا يكابدون الجفاف وقلة المياه.

في خاتمة مسرحية حمودة الزاهي هكذا تكلم الزاهي: “ربما لن يعاني وطننا صدمات ما بعد النفط، إذا تحولت رسوم أكاكوس (4) وتدرارات ونقوش مساك سابافيت إلى مناطق محمية كما قررت اليونيسكو. أسوة بغيرها من المناطق الأثرية المهمة في العالم يحج إليها الملايين من كل جهات الأرض، فعوامل العبث بالفنون الصخرية في تزايد سنة بعد سنة”.

وعن رفضه عروضًا لترجمة أعماله إلى اللغات العبرية والهولندية والفرنسية، قال أبوشويشة: كما يقول صديقنا إبراهيم الكوني من المفارقات الرضوانية أن تنشر أعماله بالإنجليزية قبل العربية. جاء كلام الكوني هذا تعليقًا على صدور مجموعتي القصصية الأولى the King of the death‏ باللغة الإنجليزية عام 1975، وبعد عقدين من الزمن صدرت مجموعتي الثانية “موجة حب إلى غرناطة”، ونفدت تلك الطبعة بالكامل.

أنا مهتم بأن تصل قصصي إلى الناس الذين لا يقرؤون الكتب، وهم 90% يمثلون الأغلبية المطلقة من السكان، ولا يهتمون بالكتب. وحالنا كما كان يفعل التابادور (‏الشاعر الجوال) في الأزمنة القديمة. أنا يهمني أن تصل قصصي إلى هؤلاء.

قرأت قصصي في الكثير من القرى والمدن الليبية، وعادة ما أستظهر نصوصي. وفي طرابلس الآن من المستحيل الحصول على كتاب من كتبي؛ لأنها نفدت. أما قصصي المنشورة ضمن كتابي الأول في لندن بالإنجليزية، فالطبعة الليبية ارتفع ثمنها من ربع دينار إلى ثمانية دينارات، وهذه نسبة فلكية تؤهلني لدخول كتاب غينيس مثل مسقط رأسي كدوة العزيزية التي دخلته بتسجيلها لأعلى درجة حرارة على وجه الأرض كما أسلفنا الذكر.

مشاريع مستقبلية

تحيلني الآن إلى الطيب صالح، صديقنا الطيب، مرة أخرى. ينصح قائلاً: “خذوا حذركم من سراب الفن، فقد يستهلك حياتكم”. أشعر بالرضا الآن؛ ففي العالم الصغير زمن العولمة والنت. تحققت فيه مقولة مكسيم جوركي: “الكلمات تطير كالسنونو حول العالم”؛ لهذا أنا أشعر بالرضا. حين أُدون اسمي بالإنجليزية على محركات البحث لتظهر صفحات تحمل اسمي، حيث بالإمكان شراء كتابي بأسعار تتجاوز 560% من السعر الأصلي، من طوكيو إلى بكين، ومن سان فرانسيسكو إلى نيوزيلندا من الكتب النادرة، وأشعر بالرضا أيضًا حين أُدوِّن على محركات البحث في الشبكة ليظهر اسمي واسم ابنتي فرح معًا، ومعًا نشكل عشرات الصفحات في غوغل. وأشعر بالرضا، هذه الكلمات هي مقتطفة من قول شهير للفيلسوف الراحل الصادق النيهوم الذي تكلم هكذا: “أشعر بالرضا مثل قط مات وفي فمه فأر”.

وعمومًا، مشاريعي الآن تتلخص في الآتي:

أولاً: البيت؛ فأنا لا بيت لي حتى في الشعر لأكتب، سأصل السبعين بعد سنوات قليلة. والآن أنا نصف أعمى. في القصة الأولى من كتاب الرمل لـ”بورخيس” نقرأ: “حين تبلغ عمري، ستفقد نصف بصرك”.

الأسفار إضافة للمبدع

يقول الشاعر الغرناطي لوركا: “يولد الإنسان ورأسه إلى أسفل، وتولد الشجرة ورأسها إلى السماء”، ولولا السفر لما قُمتُ بزيارة لقرية هذا الشاعر المبارك عام 1971، وكنت مقيمًا مع أُسرتي في الأندلس، ولو لم أغادر كدوتي لما كنت رأيت ما رأيت، ولما قرأت ما قرأت.

تعرفت، خلال أسفاري، إلى عدد من مشاهير الإبداع من العالم عربًا وأجانب. مثلاً فرانسيس بيكون، الرسام العالمي الشهير الذي يتشارك اسمه مع بيكون، الفيلسوف الفرنسي المعروف، وكان الصديق فرانسيس الذي نتحدث عنه هنا في الستين من عمره، لكنه كان يبدو في الأربعين. التقيته في العام 1960 في حانة في سوهو بلندن، وكان رغم غرابة أطواره في غاية الكرم والأناقة. وكان يتناول نوعًا من الأدوية الغريبة، التي ترسله إلى نوم عميق، وتقوم ممرضة بإيقاظه أثناء فترات الطعام، وهو الذي رسم البابا على كرسي الإعدام الكهربائي. وتأثر به بعض الرسامين العرب، وفي ليبيا أيضا هناك من تأثر به، وقد رحل قبل سنوات.

هناك أيضًا الشاعر رافائيل ألبرتو، عرفته في روما؛ حيث كان يعيش في المنفى، ولم يرجع إلى إسبانيا إلّا بعد موت الجنرال فرانكو، وكان من المقربين إلى الشاعر بابلو نيرودا، الذي خص ألبرتو بفقرات في سيرته الذاتية المعنونة بـ”أشهد أنني عشت”. نشرت مقتطفات عن لقاء معه في “الأسبوع الثقافي” الليبية. وهو أقل شعراء العالم حظًّا مع المترجمين العرب -مع الأسف- والذي استرعى انتباهي باب الشقة الذي صممه له صديقه بيكاسو، الذي رسم أيضًا أغلفة دواوينه.

تعرفت أيضًا على أ. ج. تايلور، المؤرخ البريطاني الشهير، استأجرت منه الطابق العلوي من بيته الكبير في كامدن تاون، الذي تقع حديقته الخلفية على قناة النهر (مقابل أجر رمزي) وسمح لي باستخدام قاربه الصغير ومكتبته الضخمة. وفي أحيان كثيرة كان يقوم بوظيفة جليس أطفال لابنتي فرح التي كانت في السابعة من عمرها، وقد نشرت مقابلة معه في لندن، تحدث فيها عن أمور كثيرة، وهو المتخصص في تاريخ الحروب، وكان قابل في سن مبكرة لينين وستالين.

كذلك تعرفت على خورخي لويس بورخيس، الشاعر والقاص الأرجنتيني الذائع الصيت، قابلته في لندن عام 1980، قبل وفاته بسنوات في جنيف، وذلك في مئوية جيمس جويس، الروائي الأيرلندي الشهير. كتبت عن بورخيس قصة بعنوان “حكاية بورخيس” تُرجمت إلى الإسبانية في بوينس آيرس، ونشرت في مجلة “الميرادور”، أي: الناظر. وأُودعت في مركز دراسات لـ”بورخيس” في بوينس آيرس.

بورخيس، الذي كان يظن أن الفردوس يقع تحت لافتة مكتبه، قدَّمني إليه صديقنا المشترك الكاتب والقاص الأيرلندي أنتوني كروتين. وفي حكايتي عن بورخيس قلت: “كان أعمى. يستمع إلى نصوصه تُقرأ. يتوكأ على عكاز أبيض. مديد القامة. في أناقة سفير سماوي. حين صافحته، قاسمني قامته المديدة وهالة النور الذهبية”.

في عام 1970، ذهبت بصحبة الشاعر خوان دي لوكا، الذي كان من المغضوب عليهم زمن فرانكو، لمقابلة عمة لوركا -تلك العجوز النحيلة والخفيفة، كما لو كانت ريشة عقاب. اللقاء كان في منتهى السرية، خوفًا من شرطة فرانكو في قرية فونيثا فاكرو، أي: نبع راعي البقر. نشرت اللقاء أيضًا في صحيفة الأسبوع الثقافي، تحت عنوان “زيارة إلى قرية شاعر مبارك” مع ترجمة لقصيدة “رقصة الحرس الوطني”‏. وبعد 12 عامًا، عُدت إلى قرية لوركا المباركة، وياللمفارقة، أصبح البيت -بيت العمة- من المتاحف الوطنية، وفي الميدان الفسيح منحوتة ونافورة تجمع لوركا وبابلو نيرودا معًا. وفي عام 1984 ذهبت لزيارة “عين الدمع” في غرناطة؛ حيث أُعدم الشاعر لوركا.

شيمسي هيني، الشاعر الأيرلندي الشمالي الأصل الفائز بجائزة نوبل، جمعتنا مرارًا جلسات متعددة في مشرب “ماك ديز”، لكن علاقتي به كانت سطحية؛ فهو خجول وينطوي على كونه الشعري.

ليم أملاهرتي الأيرلندي، وهو غير معروف لدى المترجم العربي للأسف، من أوائل الذين اشتهروا بكتابة النص الأدبي والتحقيق الصحفي، وكان نشر مقابلة أثناء ثورة الريف التي قادها الأمير عبدالكريم الخطابي في المغرب.

كان أملاهرتي من أصدقاء همنغواي، ثم وقعت الخصومة بينهما، ربما بسبب امرأة، وأعتقد أن أملاهرتي المتوجس ونصف المليونير، بقامته العملاقة، كان يحارب مع فرانكو، بينما كان همنغواي يحارب مع جيش الناس. أملاهرتي دُرِّست قصصه القصيرة في بداية الثمانينات في قسم اللغة الإنجليزية بالجامعات الليبية.

المخرج الإيطالي داريو فو، الفائز بجائزة نوبل قبل سنوات قليلة، قابلته عام ‏1968 في الدنمارك، وشاهدت مسرحية له، نُشر اللقاء في حينه. ومن المفارقات التي عرفتها: الحوار الذي أجريته مع الجنرال عيدي أمين -رئيس أوغندا الراحل- حدثته عن الوضع المحرج للشاعر الأوغندي الشهير أكوت بيبيتك Pibtic، الذي حُكم عليه بالإعدام غيابيًّا في زمن أوبوتي. فقال: جامعة أوغندا مفتوحة على مصراعيها لكي يعود. ونُشر اللقاء في صحيفة الأسبوع الثقافي.‏

عرفت الطيب صالح (لم يكن الطيب صالح قد تُوفي عند إجراء الحوار) في لندن، وكان يسميني “سيدي مون زالس”؛ لأنني دائم التجوال. والطيب الذي يغار منه حاتم الطائي، قبل أيام بعد مرضه، طلبت من ابنتي فرح، المخرجة السينمائية أستاذة الدراما أن ترسل باقة ورد إليه، وبعد ساعتين وصلت إليه الزهور.

عبدالوهاب البياتي، رحمه الله، كان صديقي الحقيقي لسنين، بدأت العلاقة في مراكش، ثم طرابلس، وتواصلَت في مدريد (كان خلاف “شسيمي هبي” المنغلق على نفسه)، البياتي كان الإنسان الذي يخفي في أعماقه محبة بلا حدود للناس والأشياء، أحزنني موته، وكان يطلق عليَّ اسم “قافلة الغجر المتنقلة”. الصادق النيهوم، يا إلهي، رحل ولم أجد بعد رحيله مَن يفتح لي قلبه، باستثناء الشاعر جيلاني طريبشان، ثم رحل جيلاني ولم يبقَ لي إلا صديقنا الرائع فؤاد الكعبازي (5) أمد الله في عمره؛ فهو بمثابة والدي الروحي (توفي هو الآخر بطرابلس يوم 14/5/2012 عن 92 عامًا بعد تدوين هذه المقابلة).

وعن صداقته بالعالم الإيطالي فابريتشيو موري، مكتشف الأكاكوس، يقول أبوشويشة: تعرفت على هذا العالم الجليل فابريتشيو موري في الأكاكوس، خريف العام 1994، وهو الناسك العالم الذي أمضى نصف قرن يبحث في الأسرار العلمية للفن الصخري الليبي. وآخر كتبه التي نشرها بعد نصف قرن من الجهد، بل هي حصيلة العمر كما يقول، تحت عنوان “‏The great civilazaion in he ancient Desert‏”.

مَن حمودة الزاهي؟

– لنترك أمر الحديث عنه لمناسبة مقبلة. صحيح أنني قد صغته في أعمال كثيرة كما تقول، ومنها رواية عندما هممت بتدميرها عبر إلقائها في النار، أنقذها أحد الأصدقاء، ولكن في دبلن لم تجد من ينقذها من النار (رحمها الله).

_____________________________________________

‏هوامش:

‏1- سيدي رمضان، الرقوبة، الكدوة: أسماء أعلام جغرافية في مسقط رأس الكاتب أبوشويشة، في منطقة العزيزية، بالقرب من طرابلس.‏

‏2- توفيت والدة الكاتب أواخر عام 2011.‏

3- “سراب الليل” عنوان رواية للناقد والكاتب المسرحي الليبي منصور أبوشناف.

‏4- أكاكوس: منطقة تقع بالجنوب الليبي تحتوي على كنوز أثرية قيِّمة يداوم أبوشويشة على زيارتها من وقت لآخر.

5- فؤاد الكعبازي: أديب وكاتب ليبي وأول وزير ليبي للنفط، متعدد الهوايات والانشغالات، كان يجيد عددًا من اللغات.

مقالات ذات علاقة

خالد السَّحاتي: نَجَـاحُ الكَاتِبِ يعتمدُ على التخطيط المُسبق

المشرف العام

الفنانة سعاد خليل لـ«لوسط»: ليبيا أصبحت كالطفل اليتيم.. ولكن سننتصر في النهاية

المشرف العام

الشاعر علي صدقي عبدالقادر: أنا مغرم دائما بالتجديد

المشرف العام

اترك تعليق