قصة

أبحث عن ابتسامة

من أعمال التشكيلية نجلاء الشفتري
من أعمال التشكيلية نجلاء الشفتري


العبوس كان يعتلي وجوههم جميعا ذلك الصباح، كيف أنقذ نفسي من ملامحهم الكالحة؟ حتى ابني الأصغر لم يشذ عنهم، الا أنه على الأقل صرح بسبب عبوسه قائلا لي:

– أنا زعلان منك، ماعرفتيش اتديري البرغر سمحة زي أم صاحبي.

شعرت أن تلك الوجوه المتجهمة تمارس على نوعا من الإرهاب لا قبل لي باحتماله، وقعت عيني بالصدفة على الفستان الأحمر الجميل الذي أحضره زوجي وطلب مني ارتداءه ليلة أمس، عندما خرج أصدقاؤه بعد الوليمة الكبيرة التي أعددتها لهم كنت كجثة لا تصلح سوى للدفن في الفراش بعد محاولة إحيائها ببعض المسكنات والمراهم….

.. يا ألهى…. وجوههم المكفهرة انعكست على كل شيء. كل شي كان كئيبا، غرفة الجلوس، الجدران. حتى سريري…كل شيء…. لا أستطيع أن أبقى هنا لساعة واحدة، ارتديت ملابسي على عجل وقبل أن أخرج نظرت إلى التاريخ   شعرت وأنا أقرؤه بنوع آخر من الإرهاب، ما لهذه الأيام تركض ولا تمهلنا لنشعر بأشيائنا الجميلة قبل أن نفقدها؟ ، ألقيت نظرة أخيرة على نفسي في مرآة المدخل الصريحة، لحظت أن الشيب قد اتسعت رقعته، كان متمهلا فيما مضى، إلا أنني اليوم رأيته متلبسا باحتلال ربوع شعري والجلوس على عرشه الغابر، وضعت الوشاح على رأسي بسرعة، لن أسمح للتفاصيل بافتراس ما تبقى مني، خرجت وسط دهشتهم وسؤالهم الذي لم أرد عليه، خرجت أبحث عن ابتسامة…نعم، ابتسامة من القلب، سمعت قهقهة في داخلي كالمجنونة،

من يعطيني ابتسامة وأعطيه  ضعفها ،كنت أمشي بسرعة كبيرة أحاول نفض غضبي عبر خطواتي الواسعة  ،بعد مشوار لابأس به شعرت بالعطش، تذكرت أنني لم آكل شيئا منذ غداء الأمس ،فالتحضيرات للوليمة التي أعددتها لأصدقاء زوجي سيطرت على كل اهتمامي وجهدي حتى أنني نسيت أن أضع شيئا في فمي أقيم به أودي ،دخلت إلى محل صغير للمواد الغذائية كان في طريقي ،.كان يوم جمعة و الوقت مازال مبكرا لم أجد أحدا داخله سواي ،اشتريت عصيرا وقنينة ماء وعندما أعطيت البائع المال رأيت ابتسامة باردة  على وجهه ،قال لي: إنه استفتح البيع الآن وليس لديه ديناران   ليرد  المال المتبقي لي عنده، قلت له لابأس وخرجت  ،بدأت أتمهل في مشيتي فقد عرف الهدوء طريقه إلي وامتص امتعاضي ذلك المشوار الطويل ،  أخذت أنظر في وجوه العابرين ،مازلت أبحث عن ابتسامة من القلب، ابتسامة لا أريدها كابتسامة ذلك البائع  ، أبحث عن  ابتسامة تريحني وتجعلني في حال أفضل، هناك شيء في داخلي لا أستطيع وصفه لكني اشعر به  ،يريد أن  يطمئن….يطمئن فقط

رأيت رجلا واقفا بجانب إحدى الحافلات علت وجهه ابتسامة متحفزة   وهو ينظر لي، قال عندما اقتربت منه:

– تفضلي ناقصنا فرد واحد ونطلعوا.

كان دخان السجائر كثيفا داخل السيارة حتى أنه حجب ما بداخلها ابتسمت ابتسامة صغيرة ساخرة، إذن هو يريد أن يحشرني في سيارته الملوثة بأبخرة الدخان، المزدحمة بذرات النيكوتين وربما بتلك المخلوقات الصغيرة التي أرعبت العالم وسجنته عاما كاملا، كي يكتمل عنده العدد ولا يتأخر؟ ……واصلت مشواري على غير هدى فأنا لم يكن في رأسي مكان معين أقصده، مالِ هذه البلاد تكشر لي عن أنيابها؟ لم أرَ ابتسامة حقيقية من القلب، الوجوه كلها تعلوها الأزمات بدل الابتسامات ويبدو عليها التذمر والشعور بالبرد، ولأول مرة نظرت نظرة مباشرة لصاحب السيارة التي لاحقتني منذ خروجي من منزلي، راقبته خلسة عدة مرات لكني لم أواجه نظراته مباشرة إلا تلك اللحظة، لقد منحني ابتسامات كثيرة الا انها بدت عن قرب لزجة عارية وتثير الاشمئزاز، لم اطقها ابدا، كان واضحا أنه لا أحد في هذه المدينة يبتسم من القلب، حتى الشمس لم تبتسم ذلك اليوم ولم تمنح أحدا دفأها

رجعت إلى البيت عندما بلغ مني التعب مبلغا كبيرا، دخلت إلى المطبخ، شمرت عن ساعدي وبدأت في إعداد البرغر

دخل ابني الصغير للمطبخ، عانقني بقوة وعلى وجهه ابتسامة مضيئة تشبه ابتسامة القمر عند مغازلته لأجمل نجمة من جاراته المضيئات، جعلت ابتسامة من القلب ترتسم على وجهي قال لي:

– كنك طولتي؟

ثم أشار لي كي أقترب منه وقال لي بهمس جعل ابتسامتي تتسع:

– حتى بابا قال الحوش من غيرها ماينفعش، بس قال راكم اتقولوها لها!!!

مقالات ذات علاقة

الحاجة مبروكة العايبة

محمد النعاس

سيد باب العزيزية

وفاء البوعيسي

مديـنـتي الجـديـدة

عزة المقهور

اترك تعليق